كريم الرشيد المخرج العراقي القادم من السويد بتجارب مسرحية تغنى بفضاءات السؤال الإبداعي لكيفية استثمار الفلسفة ودلالاتها المعرفية لإحداث إبداع مسرحي متجدد، يؤمن عبر مقاربة المشهد المسرحي الغربي والعربي أن الأخير يمثل رؤية إخراجية تسطو عليها اللغة على حساب الصناعة البصرية للمشهد، بينما تتجسد مهمة المخرج الرئيسية في تشكيل حالة بصرية موازية للنص المكتوب.

ويهتم الرشيد بصناعة مسرح متعدد الأصوات، ويرى أن الشعر مادة قابلة للإنتاج المسرحي بوسائط لا تهدد بناءها الفني، وإنما تنتج إيقاعاً أدبياً لا يعبث بالقصيدة أو المفهوم العام للمسرح. الرشيد وطوال حواره مع "البيان"، لم يكتف بعرض رؤيته الخاصة بالمسرح، بل تطلعاته لمتطلبات المجتمع المعاصر من خلال أسئلة وجودية ستظل مبحثاً للمبدعين في كل المجالات، وأن التميز والتفرد يكمن في كيفية عرض تلك الإبداعات أيضاً.

البناء البصري

ينتمي الرشيد بشكل خاص للغة البصرية، ويعتبرها من نقاط الاختلاف الأساسية بين المخرج العربي والغربي، قائلاً: "لا نزال نعتمد على الثقافة الشفاهية في المسرح، التي يظهر فيها جلياً سطوة اللغة على حساب البنية البصرية ومفرداتها". ووصف النظرة للغة العربية بالمقدسة التي تحمل معها إرث الهوية والتاريخ بأبعادها السياسية والاجتماعية، محدثة حالة من الهيام باللغة انعكست على لغة المسرح.

المبالغة اللغوية

أطلق الرشيد على العلاقة باللغة العربية بالسحر الذي لا يمكن الفكاك منه، معتبراً أن الاهتمام بها ليس عيباً ومطلوباً في الكتابة المسرحية، ولكن بمجرد تخطي اللغة حدود فعل الإخراج والتمثي.

فإن النص المسرحي سيفقد جماليات ترجمته البصرية. ويشكل النص البصري الموازي للخطاب النصي، شغل الرشيد الشاغل، وتحديداً في مجال استثمار منظومة الشعر وتحويلها إلى مادة قابلة للإنتاج المسرحي، حيث يؤكد أنه: "عبر قصائد للسياب وأدونيس تجلت تجربتي المسرحية".

نماذج مسرحية

استوحى الرشيد من الشعر الكثير من أعماله ومنها ما أنجزه في مطلع الثمانيات مسرحية "حفل الماس"، وهي نتاج قصيدة للشاعر د. خزعل الماجدي بإخراج مشترك مع المخرج د. صلاح القصب، ومسرحية "الحر الرياحي"شعر عبدالرازق عبدالواحد. ومسرحية "حفار القبور والمومس العمياء" من أشعار السياب.

وهي مزاوجة بين قصيدتين تحملان العنوان نفسه، وتعتبر مهمة كاتب المسرحية في هذا النوع عسيرة، لأنه يعمل بشروط لا يجوز فيها التلاعب بالبناء الفني للقصيدة، وإمكانية تحويل الشخصيات الشعرية إلى شخصيات درامية. وعند استقرار الرشيد في السويد تطورت علاقته بالشعر من خلال أغاني مهيار الدمشقي لأدونيس.

الأكثر خطورة

أشار الرشيد إلى دور النقد في الإشارة للمفاهيم البصرية في العمل المسرحي، وأن الإشكالية تكمن في فكرة النقد نفسها، فالمنطقة العربية تتخذ منها مهمة للحكم على العمل الإبداعي، ودورها منوط عملياً بالتحليل والتفسير، وعلى صعيد الكتابة النقدية، فإن هناك جهوداً حقيقية تركز على تحليل عمل المبدع والإشارة إلى مواقع الخلل والنجاح اللذان يضيفان فهماً آخر يعيد إنتاج النص.

متعدد الأصوات

 يعمل المخرج العراقي كريم الرشيد على مسرحية جديدة بثلاث لغات في النص، وهي نتاج اهتمامه بإنسانية المسرح وتعدد أصواته فنياً وفكرياً، وكونها أيضاً تشكل صورة من صور المجتمع المعاصر، مجيباً على سؤال الخصوصية وماهيتها في المجتمعات العربية بأن: "الخصوصية إشكالية وقعنا فيها دونما تجربة، لا يمكن أن نضع أطراً نظرية ونحتكم بها لصياغة خصوصية ما، هناك تجربة بشرية فكرية مهمتها تأكيد الهوية الإنسانية للذات والمجتمع".