يتحقق المثل العربي "ليس مَنْ رأى كمَنْ سمع" في دار الأوبرا السلطانية في العاصمة العمانية مسقط، فهذا الصرح الثقافي الرابض في منطقة قريبة من شاطئ القرم على مساحة 80 ألف متر مربع يرسم علامة التميز للعمارة العربية الاسلامية، المكتنزة بخصوصيتها والمعتمدة على فلسفة الفضاءات المتباعدة حيناً المتلاصقة أحياناً أخرى.
من يشاهد بأم عينه تلك التفاصيل الدقيقة يعشق المكان ويسلم نفسه لهيبته وعظمته، فهو يرسم بدقة متناهية تفاصيل لا ترصدها العين الا في ثنايا المعمار العماني المتجسد في القلاع المتناثرة شرقا وغربا بشموخها وتواصلها عبر أجيال وأجيال، ما يجعله أحد أبرز المنجزات الثقافية والمعمارية العمانية الحديثة.
تفرد المكان
يشير الدكتور ناصر بن حمد الطائي مستشار مجلس ادارة الدار بكل فخر إلى تفرد المكان بطوابقه الثمانية، الممتدة ثلاثة منها تحت الأرض بخصوصيات لا تتوافر لغيره من الامكنة، فقد بنيت الدار وفقا لأحدث التقنيات العالمية في مجال بناء المسارح الغنائية، إلا أن ما يميز دار الأوبرا السلطانية عن غيره من الامكنة المماثلة، إضافة الى التميز العمراني هو نقاء الارتداد الصوتي.
يقول الطائي: روعي أن تكون تكنولوجيا الصوت مواكبة لأحدث التطورات في هذا المجال ومن هنا عمل القائمون على المشروع الذي تبلغ مساحته المبنية ما يربو على 25 ألف متر مربع على تطويع مجموعة من أدوات التقنية الصوتية، حيث زودت بأحدث النظم التقنية المتعلقة بمعالجة ارتدادات الصوت وصداه لكي يتناسب مع نوع الفعالية المقامة، سواء بامتصاص الصدى أم بتضخيم الارتدادات، وقد تم دمج النظم في تصميم المبنى لاستعمالها في مختلف أنواع الفعاليات التي تستضيفها الدار لتحقيق نقاوة صوتية عالية.
مكونات جمالية
ويضيف الطائي بأن تصميم مسرح الدار جاء مراعيا للمكونات الجمالية، اذ يعمل المسرح الرئيس وفقا لنظامين الأول هو نظام المسرح الذي بإمكانه استقبال أكبر عمل أوبرالي، ويتميز الثاني بوجود حلقة تحتوي الصوت وتتميز بتقنية عالية ووزنها يتجاوز مئات الأطنان، أما المكان المخصص لجلوس الأوركسترا فيمكن التحكم به هيدروليكيا رفعا وتنزيلا.
وعن الفلسفة المعمارية المستخدمة في الدار يقول الدكتور ناصر الطائي "اعتمد التصميم على عدة معطيات لعل أهمها التواصل الحضاري مع الشعوب والدول التي وصلتها الثقافة العمانية وتعاطت معها، ما يعني استلهام مختلف الحضارات التي مرت على الشرق"، فمن يدقق في الجماليات الهندسية والمعمارية والتفاصيل الدقيقة، سيلاحظ التمازج المثير في المكونات المتعددة لتلك الثقافات، فهناك تشكيلات خشبية من التيك الهندي متناغمة مع الرخام منها المشربيات والفوانيس والثريات.

