استقبل معظم المثقفين الفرنسيين تعيين الروائية أوريلي فيليباتي كوزيرة للثقافة في الحكومة الاشتراكية الجديدة بتقدير كبير، لأنها قد تحقق إنجازات هامّة تضاف إلى إنجازات من سبقوها، خصوصا أندريه مالرو، الذي كان وزيرا للثقافة في عهد الجنرال ديغول، وجاك لانغ الذي كان وزيرا للثقافة في عهد فرانسوا ميتران.

ومنذ ذلك الوقت، تعاقب على تولي وزارة الثقافة الفرنسية العديد من المثقفين أمثال: جاك دوهاميل، وموريس دروون، وفرانسواز جيرو، وجاك لانغ، وفردريك ميتران، وغيرهم. وكل واحد من هؤلاء يضيف إنجازاً للثقافة الفرنسية لا يمكن إهماله.

حيث إن بلداً كفرنسا، يتميز بدوره الثقافي الذي يمتد إلى بلدان فرانكوفونية عديدة، بل وإلى أرجاء العالم، لأنها شقت لنفسها ما يسمى بـ "الاستثناء الثقافي" أي الموقف المتميز في الثقافة العالمية. ومن هنا تكتسب الثقافة أهمية بالغة على جميع المستويات والحقول. ومن المعروف، إن اليسار كانوا على الدوام أكثر اهتماماً بالثقافة من اليمين.

مثقفون مكافحون

معظم الوزراء المتميزين انحدروا من أصول عائلية متواضعة، ولكنهم شقوا طريقهم في بلد يعظّم من شأن الثقافة. وأرويلي، الوزيرة الجديدة، اشتهرت بمواقفها الإنسانية، وكفاحها المستميت من أجل أفكارها حيث كان غالبية أفراد عائلتها من عمال المناجم، الذين يغوصون كل يوم إلى باطن الأرض ليستخرجوا لقمة عيشهم المغموسة بدخان الفحم الأسود.

ومن شدة اخلاصها إلى هذا العالم، كتبت روايتها الأولى تحت عنوان "الأيّام الأخيرة للطّبقة العمّاليّة " التي كرستها لذكرى جدها الذي ألقت عليه النازية القبض في الحرب العالمية الثانية، وتعرض للتعذيب الوحشي بسبب أفكاره اليسارية.

رجل المناجم

وهي لا تنسى والدها، عامل المناجم الآخر، الذي قالت عنه:"كان والدي ينهض من النّوم في الخامسة صباحا. وعندما أستيقظ يكون هو في باطن الأرض. وفي المساء يعود وعلى جسده آثار العمل المنجمي المضنى والشّاقّ. ولمّا أصيب بسرطان الرّئة كان يبصق طوال الوقت مثل كلّ العمّال في شيخوختهم ". وفي صيف 1986، زارت موسكو بصحبة والدها تضامنا مع الاتحاد السّوفييتي آنذاك إثر حادثة تشرنوبيل.

في حضرة رامبو

كانت معجبة بأشعار الشاعر الفرنسي الكبير آرثر رامبو، ولم تترك كتاباً أدبياً رفيع المستوى إلا واطلعت عليه على المقاعد الجامعية. درست الفلسفة في دار المعلّمين العليا في باريس التي درس فيها كبار فلاسفة فرنسا ومفكريها أمثال: جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار ورايمون آرون وميشال فوكو وغيرهم.

وبعد روايتها الأولى أصدرت روايتها الثانية "رجل في الجيب". وفتحت عينيها على مكتبة زاخرة بمؤلفات كبار الأدباء والكتّاب من أمثال أراغون وبابلو نيرودا، كما قرأت أجزاء من "رأس المال" لكارل ماركس.

محطات

ترأست أوريلي مهرجان مرسيليا للفيلم الوثائقي سنوات طويلة. وهي تغذي روحها بالأدب وخاصة الرواية. وتظل هذه الروائية في قلب الحدث الثقافي ولم تتردد من الثناء على الروائي الأميركي روي برادبري الذي رحل عن عالمنا منذ أيام، حيث قالت عنه: "رحل عن عالمنا عملاق الأدب العالمي.

رجل رؤيوي أعطى لأدب الخيال العلمي النبل، واصفاً عبر الخيال العلمي الأحداث الحقيقية وغير الحقيقية أيضاً. ونحن الفرنسيون لنا علاقة بهذا الكاتب، إذ قام المخرج الفرنسي فرانسوا تريفو بإعداد روايتي برادبري "مذكرات بحرية" و"فهرنهايت 451" إلى الشاشة. ولعل أهم ما يميّز هذا الكاتب أنه عالج أهم موضوعين يجابهان العصر الحديث إلا وهما: الرقابة والشمولية، أخطر آفاتين في المجتمع الاستهلاكي.