قبل 75 عاما خلت، خط بابلو بيكاسو أول ضربة فرشاة على لوحته العظيمة (الجرنيكا) التي كانت في طريقها لأن تصبح أحد أهم الأعمال إثارة للجدل في القرن العشرين، لكن ذلك لا يعود إلى ضخامة حجمها ( 3,50* 87,80 متر) ولا لأنها باتت رمزاً للـ (جمهورياتية ) ولا بسبب رحلاتها والأساطير التي نسجت حولها.
ولا بسبب الهول الذي تمكنت ريشة الفنان من تجسيده خلال شهر واحد فقط، ولا بسبب اللون الذي تعكسه اللوحة باستخدام تقنية غياب اللون، وإنما لأن عمل بيكاسو إحساس وتجربة داخلية يثيرهما في كل شخص يقترب منه ويتركه عالقا بضخامة اللونين الأبيض والأسود.
ومثلما يحدث عادة في حالة الأعمال الفريدة، فإن الانطباع الأول الذي يتشكل حولها لا ينسى قط، وهذا ما يرويه عدد من المثقفين والكتاب والفنانين لصحيفة ( الباييس) الاسبانية حول المرة الأولى التي رأوا فيها الجرنيكا وكيف حصل ذلك وأين.
( حتى لو رأيت الجرنيكا مرة ومرتين وألف مرة، فإنها تحدث فيك انطباعا قويا للغاية) على حد تعبير الرسام أنطونيو لوبيز الذي رآها أول مرة عام 1981 عندما وصل إلى مدريد في دارة ( بوين ريتيرو) وحينها كانت معروضة في واجهة زجاجية يحرسها عدد من رجال الشرطة، وهو الشعور نفسه الذي راود كارمن جمينيز مستشارة متحف بيكاسو في ملقا، التي تقول:
( عندما رأيتها لأول مرة في متحف الفن الحديث في نيويورك أثرت في كثيرا ولا زلت أشعر الشعور نفسه كلما رأيتها، ذلك أن التركيبة والتوازن فيها يجعلانها منيعة مع مرور الوقت، بينما يرى المفكر فيرناندو ساباتيير أن الجرنيكا عمل فني للتنزه ولفتح حوار بلا نهاية حوله، عمل للتفلسف، ذلك أنه (محمل بشحنة كبيرة من التاريخ والأسطورة والميتافيزيقيا والفن الذي يتحول إلى تجربة. إنه التعايش التاريخي، بصمة مخزنة في رؤوسنا أكثر مما هي عليه في المتحف).
تعد رؤية الجرنيكا تجربة شخصية تتجلى بألف طريقة متباينة في الفرد، حيث يؤكد الشاعر السوري أدونيس أنه (عندما وجدت نفسي قبالتها لأول مرة في باريس، شعرت بالرعب، رعب جميل تثيره التعبيرية التي أبدعها بيكاسو في تلك اللوحة الهائلة.
أما المرة الأولى التي رأت فيها الكاتبة البرازيلية نيليدا بنيون اللوحة فقد كانت في نيويورك عام 1966، وقد كانت بالنسبة لها تجربة غير عادية لا يمكن أن تنساها وهي تقول: ( كانت صدمة. بدت لي رؤية خرافية ومن ثم تحول كل شيء إلى دم ورعب ضمن الإطار الابداعي الجبار الذي يرافق انقلاب في الوعي الانساني. شعرت بالخوف والوهج. أذكر أني خرجت مذهولة واشتريت شطيرة من اللحم من نوع هوت دوغ).
الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتيس، الذي يعد أحد أبرز الكتاب باللغة الاسبانية، يتذكر أنه اكتشف سحر الجرنيكا في ريعان شبابه واكتشف معها المعنى الاجتماعي السياسي المكتوب في كل ضربة ريشة رسمها الفنان . (شكلت اللوحة صرخة مدوية وقرعت جرس إنذار الحرب العالمية الثانية، التي تركناها نحن القوى الديمقراطية تحدث كما لو أنه لا يحدث شيئا، وتعين علينا أن ندفع ثمنا باهظا لها) كما يوضح فوينتيس مشيرا إلى قصف المدينة الباسكية التي ألهمت بيكاسو. الفيلسوفة والرسامة أويكا ليلي يوقظها الابداع وتقول:
( حين رأيتها أول مرة في دارة مدريد تخيلت بيكاسو وهو يرسمها، ودفعني ذلك إلى الذهاب للرسم. وجع الأمهات، الموت، الارهاب الحقيقي والضوء. يفرحني أنها باللونين الأبيض والأسود. الانطباع الأول الذي تكون لدي تمثل في أن بيكاسو يستخدم لغة هزلية) .
