شهدت الدورة العاشرة لملتقى الشعر العربي في يومها الثاني جلسة نقدية تحت عنوان (قراءة تحليلية في قصيدة شعرية ... قديمة وحديثة) بمشاركة النقاد محمد عبدالمطلب من مصر متحدثا عن قصيدة (الكوليرا) لنازك الملائكة ومحمد مفتاح من المغرب متحدثا عن (مقطوعة شعرية للسان الدين بن الخطيب) والمنصف الوهايبي متحدثا عن قصيدة (إذا الشعب يوما أراد الحياة) لأبي القاسم الشابي، بينما تغيب عن الجلسة سعد الدين كليب من سوريا الذي كان من المفترض أن يقرأ ورقة حول قصيدة (أو جاريت) لعمر أبو ريشة، ولذلك قام مقدم الجلسة الدكتور أكرم قنبس بتولي تقديم نبذة عنها.
وقد شكلت الأوراق النقدية الثلاث لوحة مترامية الأطراف في تناولها لعدد من القضايا الشعرية التي وإن لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تناقش فيها، حيث لكل ناقد من هؤلاء النقاد وغيرهم كتب وابحاث معمقة حول هذه القضايا، إلا أنها تبقى لوحة غنية بأفكارها وطروحاتها ومناهجها البحثية التي ألقت الضوء على مجموعة من العناوين الحيوية في التجربة الشعرية العربية، فبينما تناول عبد المطلب ( الكوليرا) من زاوية البحث عن بداية شعر التفعيلة، قدم مفتاح قراءة تحليلية حول تداخل الشعر والموسيقى متكئا على مقطوعة شعرية مكونة من ثماني أبيات للشاعر لسان الدين بن خطيب، أما الوهايبي فقد تناول قصيدة ( إرادة الحياة) من منظور إيقاع الوزن وايقاع الخطاب فيها.
البدايات
د.محمد عبد المطلب نوه بداية إلى أن مسألة البدايات تختلف حولها الآراء ، وقال إن ذلك حدث عند الكلام على بدايات الشعر العربي ، وبدايات الرواية والمسرحية فى الثقافة العربية، مؤكدا أن (هذا ما دار من حوار حول بداية شعر التفعيلة)، الذي يقصد به ذلك الشعر الذي أطلقت عليه نازك الملائكة (الشعر الحر) فى كتابها : (قضايا الشعر المعاصر)، الذي صدر عام 1962 ، إذ إنها ذكرت فى هذا الكتاب أن هذا النوع من الشعر ظهر أول ما ظهر فى العراق.
ومن هناك انتشر فى أنحاء العالم العربي ، لكنها عندما ذكرت ذلك ، لم تكن على علم بأن هناك محاولات قد سبقتها فى النظم على هذا النسق التفعيلي، أى قبل قصيدتها (الكوليرا) التى نظمتها على هذا النحو الذى أسمته (الشعر الحر) عام 1947 ، ثم نبهها بعض الدارسين إلى أن هناك محاولات سبقتها لبعض المبدعين ، وتردد على سمعها أسماء علي أحمد باكثير ومحمد فريد أبو حديد ومحمود حسن إسماعيل، وذكر البعض اسم الشاعر الأردنى (عرار) والمصري لويس عوض.
وخلص عبد المطلب إلى أن نازك الملائكة صاحبة حق فيما ذهبت إليه حول أنها أول من كتب (شعر التفعيلة) على الرغم من أن بعض الارهاصات قد سبقتها وسجلت في الشعر العربي على هذا الصعيد.
التماهي المطلق
ورقة د. محمد مفتاح جاءت تحت عنوان ( مقطوعة شعرية للسان الدين ابن الخطيب)، التي حاول تناولها في قراءات ثلاث أولها تداخل الشعر والموسيقى والثاني تداخل النحو واللحن والثالث تداخل المعنى والدلالة، وقد وصف الأكاديمي المغربي ورقته بأنها بحث يقوم على أطروحة مفهوم وصفه بالمُتَعالٍ هو (الشِّعْسي)، ويعني أن( الشعر) والموسيقى متداخلان مندمجان كاللّحمة والسَّدَى في المكونات البيولوجية، والعصبية، والعصبية النفسانية)؛، على حد تعبير مفتاح ، الذي أكد كذلك أن هذا ( الاندماج لا يعني التماهي المطلق، لأن هناك مكونات وعناصر تُميز الشعر عن الموسيقى أبْرَزَها كثير من الباحثين؛ ومُراعاة منّا للمشترك والمختلف، في آن واحد، فإننا نَحَتْنا المفاهيم الآتية: الصَّوْمَتَة، والنَّحْلَحَة، والْعَنْدَلَة، لتبيان تداخل الصوت والصمت، والنحو واللحن، والْعَنْيِ والدلالة، في الشعسيقى).
قصيدة الشابي
قصيدة (إرادة الحياة) لأبي القاسم الشابي بمداده الحيّ وخطّ يده هو العنوان الرئيسي الذي اختاره د.منصف الوهايبي لورقته، بينما اختار لها عنوانا فرعيا أيضا هو (توطئة في شهرة الشابي وقصيدته(إرادة الحياة)، ويدرس فيها البيئة الثقافية والفلسفية التي برعمت فيها القصيدة، منوها إلى أنه حظي بقراءة مسودة هذه القصيدة التي أصبح لها وقع خاص في ظل الربيع العربي، وذلك بما فيها من شطب وحذف وتعديلات كان الشابي قد أجراها على قصيدته الشهيرة.
وقال الأكاديمي التونسي إنه(برغم تبدّل الزّمن ومرور أكثر من سبعين سنة على وفاة الشابي المبكّرة (1909-1934)، إلا أن (ذكره لم ينقطع ولا شرد من ذاكرة النّاس؛ بل إنّ بعض شعره استتبّ مستودعا من مستودعات الحكمة الشّعبيّة، لمْ يذهب بريقها ولا غاض على نحو ما نبيّنه في قراءتنا قصيدته الشهيرة(إرادة الحياة) وقد تحوّلت إلى ما يشبه"الأيقونة"وبخاصّة مطلعها(إذا الشعب يوما أراد الحياة/فلا بدّ أن يستجيب القدرْ)، كما أكد الواهيبي على تناظر قصيدة الشابي مع قصيدة أخرى كتبها في الفترة نفسها الشاعر رمضان حمود،التي تحتفي كذلك بقوة إرادة الانسان.
