يدرك الزائر لحظة دخوله معرض (المساحة المتقدمة) للفنانة النمساوية بريجيت غراسشوف، أنه أمام مشهد بصري ونوعي مختلف بمعاييره ومفهومه. يتضمن المعرض الذي يستمر حتى 11 فبراير في غاليري (كاربون 12) بمجمع السركال في منطقة القوز، التصوير الفوتوغرافي الواقعي والتصوير المجهري والرسم.
تكمن خصوصية المعرض في تميز الفنانة بريجيت في المحاور الثلاثة، ففي التصوير الفوتوغرافي الواقعي، نشاهد في أعمالها الثلاثة جمعها بين رصد زمن الساعة الشمسية، والظل والنور، وإيقاع ظلال الشخوص. وتتجلى جماليات أعمالها تلك من خلال انعكاسات الطبيعة والشمس على أحد الأزقة، وزحف ظلال الأشجار أمام انحسار ظلال المبنى، أما إبداعها فيتجلى بإضافة العنصر البشري للمشهد، حيث تشكل ظلال الشخوص جماليات فنية تغني العمل الذي يبقى لزمن طويل في الذاكرة.
خيوط المرآة
على صعيد مجموعة اللوحات الصغيرة المرسومة بقلم الرصاص بحجم الأيقونة، يقف الزائر مدهوشاً من جماليات الموضوع المرتبط بإيقاع حياته اليومية، حيث تجمع فيها بين الدقة المتناهية في الرسم وبساطة الموضوع وطرافته. تعكس في اللوحة الأولى (خيوط المرآة)، مجموعات من أشخاص مختزلين في حركات بهلوانية على حبال أفقية متوازية حيث رسمتها بأسلوب صورة (النيغاتيف) لتظهر جماليات العمل في الإيقاع الديناميكي لحركة للشخوص والحبال التي بقيت في بياض الفراغ.
ولوحة (استقبال اسطنبول) التي تصور تموضع (الصحون اللاقطة) على الأبنية المتراكبة والمتزاحمة والتي تربط فيما بينها خيوط أو "كابلات" التوصيل، لتشكل مشهداً بانورامياً له إيقاع متناغم، وتتجلى موهبة الفنانة في مثل هذه الأعمال بتحويل ما هو عام وسائد ويومي إلى جمالية بصرية لا تخطر في بال الإنسان العادي.
وتتحول شبكة المجاري التي شاهدها الزائر في صور الظلال في إحدى لوحاتها، إلى شبكة تلتف عليها إما ساق نبات طفيلي أو أفكار داخلية تتسلل إلى تلافيف الدماغ أو أي شيء يمكن للمرء تخيله.
عنكبوت كريستالي
وينتقل مع التصوير المجهري إلى جماليات بصرية من نوع آخر، فيبدو الهيكل أو القشرة الخارجية للعنكبوت، بمثابة تحفة كريستالية على خلفية من اللون الليلكي، والحشرات الدقيقة التي تتناثر هناك وهناك في مجموعات أو فرادى، تنتشر على خلفية لها لون الليل المشع ببريق النجوم.
حيوية الآداء
تتصاعد الدهشة عندما يلتقي الزائر بالفنانة الشابة بريجيت (1978) التي لا تنم سنوات عمرها عن زخم تجربتها الفنية أو على قدرتها في امتلاك أسلوبها الفني الخاص، حيث قدمت في يوم افتتاح المعرض أداءً حياً لتجربة فنية جديدة، حيث قدمت في غرفة ضيقة شديدة العتم مشهداً فنياً أذهل الحضور. ففي هذه الغرفة التي تماثل غرف تحميض الصور فيما مضى وعلى الإضاءة الحمراء الضعيفة بدأت ترش الجدار المقابل للحضور بأحد الأحماض ليتجلى أمامهم رويداً رويداً صورة فوتوغرافية لممر أو دهليز
يكسر حدود المساحة ليمتد أمامهم بصورة لا نهائية.
