قراءة خطوط العمل السينمائي، تعتمد على انتقاء الفكرة والقدرة على بلورتها بلغة بصرية ساحرة ومقنعة، وجماليات النص تكمن في حرفية استثمار الوقع الإنساني وتصويره بإقناع يحتمل الخيال، وعقدة التلاقي بين عناصر التمثيل والمشهدية العامة. فيلم "فتاة عرضة للخطأ"، المشارك ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الخليجية الطويلة، وقع في خطأ تكرار الفكرة.
وهي عملية إبراز الوجه الآخر للحياة اليومية في بلدان تتسم بنجاحات تجارية واستثمارات عالمية، يسعى بعض الأفراد إلى التوافد إليها ومحاولة صناعة إنجازات خاصة بهم، ومنها من ينتهي أو يؤول إلى الفشل. وجد هذا الطرح في السينما المستقلة والتجارية مسبقاً.
ولكن يكمن جديد الفيلم في اختيار شخصيات رئيسة من الجنسية الصينية، وصراعها المجتمعي والذاتي لتحقيق أمنياتها في مدن الأحلام. واتخذ مخرج الفيلم كونراد كلارك مدينة دبي موقعاً لتصوير الأحداث وتصاعدها، باعتبارها تلك النماذج النوعية في عالم الأعمال.
لماذا مغاير
المغاير في الفيلم، هو حضور الشخصيات الصينية التي مثلهما كل من الممثلة سانغ جوان، وهوانغ لو في دور الصديقتين ليفي ويايا، حيث تقومان بإنشاء مزرعة فطر بتمويل شخصي، إيماناً منهما بأنه السبيل لحياة أفضل، وتبدأ ذبذبات واقع التحديات والمآسي الشخصية لكل الشخصيتين، بإرجاعهما خطوات للخلف، ثم قرار العودة للوطن. مجدداً لماذا يعد ما سبق ذكره مغايراً؟
لأن الصينيين عادةً كخلفية ثقافية وتاريخية، يعتبرون من أكثر الأفراد نشاطاً ونجاحاً في المشروعات الاقتصادية، ولكن "فتاة عرضة للخطأ" يبرز معاناتهم، وملامح الألم والصراع الداخلي لتلك الشخصيتين، وكشف أبعادهما العاطفية، عبر علاقة حب تعيشها الشخصية ليفي من جهة، واستسلام يايا للغناء في ملهى ليلي، سبيلاً لصناعة قوتها اليومي من جهة أخرى.
سحابة الغربة
كان المساء، حيث اعتادت ليفي الوقوف أمام تلك المساحة الخارجية الضيقة الشبيه بـ "البلكونة"، ومع مرور ثانية من المشهد، تظهر سحابة بيضاء من زفير تلك السيجارة التي ظلت مصاحبة لليفي طوال رحلتها، مؤشراً للغربة وللضباب وتبدد الأحلام، بينما هي قابعة بالتفكير في كيفية تأمين استمرارية لمشروعها، ليأتي صوت الطائرة في السماء المثقل بالسواد موسيقا تشدو العودة للديار، يُختتم المشهد برفع بنظرة شاخصة لشخصية ليفي تجاه السماء، وعينيها مليئة بأمل النجاح في ظل الخوف.
وهنا الخوف امتداد لعلاقة حب عاشتها مع حبيبها الذي قرر، دونما سابق إنذار، تركها لمجرد أنها صرحت بعدم قدرتها تحمل البعد والانتظار بعيداً عنه. أما الحميمية للمكان، تلمسها المشاهد من ليفي، وهي تسأل الخباز عن أخبار أخيه، وتمزح مع بائع المعدات الكهربائية عن حبيبته، ومتى سيتزوجها، واحتضانها لحبيبها بعد دردشات تجمعهما، وهاجس عدم الاستمرار.
معايشة يومية
كانت تسكن ليفي في منطقة ديرة بدبي، وتحديداً بقرب سوق نايف، الذي يمثل أقدم الأسواق والأحياء في المدينة، تعايشت ليفي، وفي قمة ألمها ومعاناتها اليومية، تجاه ما سيحدث في مشروع مزرعة الفطر، مع المكان بانسيابية تامة، يتصور المشاهد ذلك من خلال إقدامها على تدخين "القدو".
وهي أداة لتدخين تشبه (الشيشة)، ولكنها ترجع إلى أصول فارسية، إلى جانب التفاهم والتداخل مع الجالية الهندية في المنطقة، وكان هذا بارزاً من خلال حديثها مع من يعمل لديها في المزرعة، وكذلك جيرانها في السكن.
ختام
أسدل المخرج الستار في ختام العمل في غمار انغماس الشخصية ليفي بالسباحة في عرض البحر، بعد انسداد كل الأبواب أمام مطالب سعت لإقناعها بالتنازل عن المزرعة في مقابل تخليها عن أحلامها ومبادئها، مصوراً ذلك الاغتسال عودة لمعطيات الكون وتطهير الذات من صدوع الحياة وأزماتها، ويبقى سؤال المعاناة الإنسانية لوناً شفافاً، منسجماً مع لون الموج وضرباته على السيف، ومعالجته فلسفة قابعة بالتجربة الإنسانية.
