عاد الاقتصاد الصيني خلال الأشهر الثلاثة الماضية بعلامات تحسن وانتعاش قوية، حيث ارتفع الإنتاج الصناعي في نوفمبر، للشهر الثالث على التوالي، ليصل إلى 10.1% على أساس سنوي، وهي المرة الأولى التي يتعدى فيها النمو مرحلة الآحاد منذ 9 أشهر. وإضافة إلى هذا، واصلت مبيعات التجزئة ارتفاعها، في إشارة إلى ارتفاع الثقة في الاقتصاد.

ولكن، بعد شهرين إضافيين من النمو، تراجعت الصادرات في نوفمبر، مما يدل على استمرار تأثر التحسن الاقتصادي بالمخاطر الخارجية. وجاءت تلك البيانات بعد عام من النمو المنخفض، حيث تباطأ الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من العام الحالي إلى متوسط نمو بلغ 7.2% على أساس سنوي مقارنة بمتوسط نمو بلغ 9.3% على أساس سنوي في العام الماضي. وفق ما ذكره تقرير الشركة الكويتية الصينية الاستثمارية.

وذكر التقرير أنه إضافة إلى تباطؤ الطلب العالمي الذي أثر سلباً في الصادرات الصينية، شهد القطاع المحلي تباطؤاً أيضاً، كان واضحاً في تراجع أرباح الشركات وركود القطاع الاستهلاكي. ولهذا، يأتي انتعاش الصين في وقت غير متوقع في ظل استمرار تراجع النمو العالمي. ويعود نمو الصين في الآونة الأخيرة إلى التيسير النقدي والإنفاق المالي الذي تبنته هذا العام. وكانت آخر الإجراءات التي اعتمدتها هي الحزمة التحفيزية التي تم الإعلان عنها في سبتمبر.

والتي قاربت 160 مليار دولار. وركز البرنامج التحفيزي هذا، كغيره من البرامج السابقة، على الاستثمارات الحكومية، وخصوصاً في مشاريع البنية التحتية. ولكن هذا البرامج التحفيزي يقلق بعض الشيء لسببين وهما: أولاً، أن الصين لا تراعي به أهمية أن يكون الاستهلاك المحلي أكثر نشاطاً ليكون هو الداعم الأساسي للاقتصاد. والسبب الثاني أن هذا البرنامج يزيد من مخاطر الإفراط في الاستثمار على المدى المتوسط. لذلك، وعلى الرغم من أنه متوقع أن تواصل الصين نموها على المدى القصير، لاتزال المخاطر قائمة فيها على المدى المتوسط.

المحفزات الحكومية

وقال كميل عقاد، المحلل الاقتصادي في الشركة الكويتية الصينية الاستثمارية: نجحت المحفزات الحكومية من ناحية أخرى في زيادة النشاط الصناعي. وأدت زيادة المشروعات الحكومية إلى زيادة الإنتاج الصناعي. وفي نوفمبر، ارتفع الإنتاج الصناعي للشهر الثالث على التوالي، ليصل إلى 10.1% على أساس سنوي، وهي المرة الأولى التي يتعدى فيها النمو مرحلة الآحاد منذ تسعة أشهر.

وإضافة إلى هذا، واصلت مبيعات التجزئة ارتفاعها، في إشارة إلى انتشار الثقة في الاقتصاد. ولكن، بعد شهرين إضافيين من النمو، تراجعت الصادرات في نوفمبر، مما يدل على استمرار تأثر التحسن الاقتصادي بالمخاطر الخارجية. وفي الأشهر القليلة الماضية، كانت الاحتمالات عالية لتحسن نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأخير من عام 2012. كما تقبل المستثمرون هذا الاحتمال بشكل جيد على الرغم من المنحدر المالي الوشيك في الولايات المتحدة الأميركية.

وتابع: يمكّننا الناتج المحلي الإجمالي من قياس الناتج الاقتصادي أو حجم الاقتصاد - معدّل التضخم أو الانكماش. فهو مجموع القيم المعّدلة لكافة السلع والخدمات النهائية التي تنتجها دولة أو منطقة ما خلال فترة زمنية محددة.

وتعتمد هذه القيم على كميات (حجم) وأسعار السلع المنتجة. أما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، فهو مقياس يجعل الأسعار الثابتة من خلال اعتماده على قيمة عام معين الذي يكون عام الأساس لجميع السلع والخدمات. ومن ثم، يتم استخدام هذه القيم لقياس الناتج المحلي الإجمالي للأعوام التي سبقت عام الأساس والتي تليه.

كما يمكن قياس الناتج المحلي الإجمالي بعدة طرق، ومنها التي يتّبعها مكتب الإحصاء الوطني في الصين، وهو الجهة الحكومية المسؤولة عن البيانات الوطنية، الذي يقيس الناتج على حسب القطاعات الثلاثة الرئيسية وهي: القطاع الأولي أو قطاع الإنتاج، والقطاع الثانوي أو القطاع الصناعي، وقطاع الخدمات، أو بطريقة الإنفاق، الذي يتضمن الاستهلاك الخاص، والإنفاق الحكومي، والاستثمارات المالية الثابتة، والصادرات والواردات.

مؤشران دقيقان للنمو

وأضاف: يُعد كل من الإنتاج الصناعي، وهو مؤشر جيد للقطاع الصناعي الذي يمثل 45% من الناتج المحلي الإجمالي، ومبيعات التجزئة، وهي مؤشر جيد لقطاع الخدمات الذي يمثل 45% من الناتج المحلي الإجمالي كذلك، مؤشران دقيقان للنمو الاقتصادي، حيث يمثلان أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي عند قياسه بطريقة القطاعات.

وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بطريقة الإنفاق، تعكس مبيعات التجزئة والصادرات جزءا كبير من الناتج المحلي الإجمالي. وبشكل عام، من الممكن توقع الناتج المحلي الإجمالي، على المدى القصير، من خلال تحليل المؤشرات السابق ذكرها.

وأوضح أن المحفزات الاستثمارية هي الحل الصيني المعتاد للتباطؤ العالمي، مع التركيز على تطوير البنية التحتية. وبالرغم من أن هذا النموذج غير مستدام على المدى الطويل، إلا أنه غير مكلف على المدى القصير. ومن المتوقع أن يواصل القطاع الصناعي انتعاشه الحالي. إلا أن البرنامج يركز حالياً على انتعاش الاقتصاد المحلي، بدلاً من النشاطات الصناعية المرتبطة بالتصدير.

والتي تمثل جزءاً كبيراً من الاقتصاد المتنامي. باعتمادها على الاستثمارات، تبتعد الصين عن مخاطر التباطؤ العالمي، وهي المخاطر الرئيسية على المدى القصير، ولكنها في الوقت ذاته تزيد من مخاطر الإفراط في الاستثمار على المدى المتوسط.