يؤكد خبراء مصرفيون ضرورة رسم استراتيجيات جديدة في سياسات البنوك في ما يخص تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة في الإمارات وبقية دول الخليج، خصوصاً مع الفرص الكبيرة التي يحملها هذا القطاع القادر على ضخ ما لا يقل عن 100 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون وخلق مليوني فرصة عمل في السنوات القليلة.
ويجد هؤلاء أن البنوك لا تستفيد من الفرص المتاحة في هذا القطاع لأسباب تعود إلى قلة الابتكار ونقص الموارد البشرية المؤهلة والحذر الزائد. فهل ستبذل البنوك جهداً أكبر في الابتكار لاحتواء تلك الشركات التي يصل عددها إلى 175 ألف شركة، أم تضطرها للبحث عن أسواق أخرى قد تكون البنوك فيها أكثر خصوبة؟
يذكر تقرير صدر مؤخراً عن شركة «دن أند براد ستريت» للأبحاث أن عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة في الدولة يتركز نشاط 73% منها في التجارة و11% في الصناعة و16% في الخدمات. ويذكر التقرير بأن 45% من تلك الشركات موجودة في إمارة دبي، ثم إمارة أبو ظبي (32%) ثم إمارة الشارقة (16%). وعلى الرغم من هذا الانتشار الواسع للشركات الصغيرة والمتوسطة فإن تعامل البنوك معها يشوبه الحذر وقلة الخبرة والابتكار. وبدأت بالفعل بعض بنوك الدولة مؤخراً في اتخاذ خطوات جريئة للحاق بركب الدول المتقدمة في التنافس على كسب ود تلك الشركات الصغيرة والمتوسطة وتسهيل تمويل الاستثمارات لدعم القطاعات التجارية والعقارية وتعزيز التصدير وإعادة التصدير.
وبحسب دراسة حديثة قامت بها شركة «أي تي كيرني للأبحاث» فإن قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة قادر على ضخ ما لا يقل عن 100 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون وخلق مليوني فرصة عمل في السنوات القليلة المقبلة.
فرص الإقراض
ويؤكد ناصر السعيدي، رئيس الشؤون الاقتصادية في مركز دبي المالي العالمي، على الاهتمام الكبير الذي توليه الإمارات لقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. وأشار إلى أن البنوك في المنطقة بدأت في إدراك مدى الفرص المتاحة في سوق القروض التجارية للشركات الصغيرة والمتوسطة، خصوصاً مع وجود نوع من الإشباع في سوق الشركات الكبيرة والحاجة إلى تعزيز الأرباح وتنويع المخاطر.
وأكد السعيدي أهمية الدور الذي تلعبه الشركات في تنمية وتطوير الاقتصاد الوطني من خلال تنويع مصادر الناتج الوطني وزيادة قاعدة الصادرات وإيجاد المزيد من فرص العمل للمواطنين. ودعا السعيدي البنوك إلى عدم الاعتماد على وجود ضمانات عينية للشركات المتوسطة كشروط نهائية للإقراض والتوجه أكثر إلى دراسة الجدوى الاقتصادية للمشاريع والتعامل معها على قاعدة تمويل المشاريع خصوصاً وأن المخاطر المتعلقة بتلك الشركات قد تكون أقل من مخاطر إقراض الشركات الكبيرة.
وهو ما يساهم في خفض نسبة المخاطر في محفظة البنوك. وحول مشروع إنشاء سوق لأسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة والعائلية أشار السعيدي إلى أن العمل جار على قدم وساق في هذا الإطار وتجري الآن ورش عمل ومباحثات مع الوزارات المعنية وباقي الجهات الرسمية لإنجاز الإجراءات المرتبطة بالسوق خلال الفترة المقبلة.
إلا أنه وبالرغم من تلك الفرص يشير تقرير صدر مؤخراً عن البنك الدولي واتحاد المصارف العربية إلى أن حصة الشركات الصغيرة والمتوسطة من التمويل لا تزال منخفضة، حيث تبلغ نسبتها 8% في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في حين لا تتجاوز هذه النسبة 2% في دول مجلس التعاون الخليجي.
ويعزو خبراء مصرفيون انخفاض تلك النسب إلى نقص الإفصاح والهيكلية المالية الهشة للكثير من الشركات الصغيرة مثل قلة توفر المعلومات حول القوة الائتمانية للشركة وضعف إمكانية ضمان حقوق البنك وضعف الضمانات العينية.وتختلف البنوك في تحديدها للشركات الصغيرة والمتوسطة إما من حيث عدد الموظفين (20-200 موظف) أو من حيث الحد الأدنى للعوائد ففي بنك «إتش إس بي سي» هو 30 مليون دولار (نحو 110 ملايين درهم) وفي بنك «ستاندرد تشارترد» هو 25 مليون دولار (نحو 92 مليون درهم) في حين يركز بنك الإمارات دبي الوطني على معدل الرصيد الشهري لدى الشركة.
قطاع مربح رغم المخاطر
وتبدو شهية البنوك في هذه الآونة مفتوحة لمنح الشركات المزيد من القروض بعد تجاوز الأزمة المالية فبنك ستاندرد تشارترد مثلاً يخطط لمضاعفة حصته من سوق تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بالإمارات من 5% حالياً إلى 10% في غضون السنوات القليلة المقبلة، ووفقاً لساديا سعيد، المدير العام للخدمات المصرفية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في «ستاندرد تشارترد»، فإن الخدمات المصرفية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تعتبر مجالاً جديداً للنمو لدى معظم البنوك.
وتضيف: «منذ عشر سنوات، لم تكن معظم البنوك تدير أعمالاً متخصصة لخدمة قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وحتى اليوم، لا يوجد سوى حفنة من البنوك التي تمتلك خبرة حقيقية في الخدمات المصرفية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ويركز ستاندرد تشارترد على الاقراض المبني على الحاجات الخاصة بالعملاء من قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ويقوم بالتأكد من أن الاموال المقرضة يتم توظيفها لحاجات الاعمال، وأما تسعير القرض فيتم طبقاً لتكلفة الاموال ومستوى المخاطرة. وتضيف ساديا: «ضاعف البنك حجم أعماله في هذا القطاع أربعة أضعاف خلال السنوات الخمس الاخيرة، حتى خلال الازمة المالية العالمية.
ويعتبر قطاع الخدمات المصرفية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة قطاعاً عالي المخاطرة بالنسبة للبنوك غير أنه قطاع مربح وكل بنك يتبنى نهجاً مختلفاً في مجال المخاطرة. وتعتبر الامارات أحد المراكز العالمية في مجال التجارة، وخلال الازمة الاقتصادية الاخيرة، تأثرت جودة المستحقات مما أثر على طلب الائتمان لتمويل المستحقات. وفي نفس الوقت، ساهمت التقلبات في أسعار السلع في خلق مخاطرة أعلى للشركات التجارية.
غير أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تستطيع التغلب على التحديات هذه من خلال تبنيها ممارسات أعمال ومعايير محاسبة جيدة، ما يحفز البنوك على إقراضها بشكل أفضل. ولكن ليتغير السيناريو الحالي، يجب أن تتغير جودة المعلومات المقدمة من قبل هذه المؤسسات». وتشير إحصائيات البنك الدولي واتحاد المصارف العربية إلى أن 76% من البنوك الحكومية تقدم خدمات التمويل التجاري مقابل 94% من البنوك الخاصة. ويشير خبراء إلى أن النجاح سيكون حليف البنوك التي توسع وتنوع منتجاتها.
أهم القطاعات
وتقول رنا الإمام، مدير قسم مشاريع الأعمال في مصرف «إتش إس بي سي» الإمارات، إن المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي أحد أهم القطاعات في الشرق الأوسط، وهي أول القطاعات التي تتضرر من حصول الأزمات الاقتصادية، وأول القطاعات التي تتعافى كذلك. ونحن نعتقد أن تلك المشاريع هي من دعائم النمو في المنطقة.
ولذلك خصصنا مؤخراً صندوقاً مخصصاً لدعم المشاريع التي تحتاج إلى رأس المال للاستثمار. وتضيف: «عندما ننظر إلى مؤشر ثقة الأعمال فإننا نلاحظ ارتفاعاً واضحاً في الثقة في دول مجلس التعاون الخليجي، وفي حال الإمارات فإن المؤشر يرتفع بصورة ثابتة، وتشير البيانات إلى أن الشركات حافظت على ثبات أدائها بشكل عام خلال الأرباع الأخيرة، بل وتسعى لطرح المزيد من الوظائف». وتضيف الإمام: بدأنا كذلك في متابعة الفرص المتوقعة في تجارة الشركات بين الدول.
حيث يبرز توجه جديد عبرت عنه إحصائيات تشير إلى أنه على الرغم من أن الكثير من الشركات العاملة في دول مجلس التعاون تتوقع تباطؤ وتيرة التجارة مع دول أخرى في الشرق الأوسط، تتوقع 44% من تلك الشركات ازدياد حجم التجارة مع الصين و30% منها تتوقع زيادة حجم التجارة مع دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وذلك خلال الربع المقبل من العام الجاري، وهذا يعني وجود فرص أمام الشركات في الشرق الأوسط للاستفادة من تلك الأسواق الناشئة».
مطالب بالمرونة
من جهته يجد، أنور محمد، المدير المالي في شركة «واي إن» للتجارة الدولية في دبي والشارقة، أن البنوك لاتزال بحاجة إلى مرونة أكثر، خصوصاً وأن الاعتقاد السائد هو أن تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة هو أكثر عرضة للمخاطر، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة قروض الشركات نسبياً مقارنة مع القروض العادية.
ويضيف أنور: «وصلت نسبة الفائدة في أحد القروض التي حصلت عليها الشركة من أحد البنوك المحلية في الدولة إلى 13% وهي نسبة مرتفعة، كما تقوم بعض البنوك بإجراءات دون إعلام العميل للتأكد من قدرته الائتمانية كالتحقق من حجم التعاملات التي تتم من خلال جهاز الدفع الإلكتروني في فروع البيع على الرغم من أن المستثمر يقدم للبنك كافة الوثائق المطلوبة من رخص تجارية .
وكشف حساب لعام كامل وعقود إيجار، وأحياناً يصل الحد الأدنى للعوائد الشهرية التي تطلبها البنوك كشرط للإقراض إلى 300 ألف درهم شهرياً، وهو رقم لا يعكس واقع الشركات المتوسطة بصورة دقيقة، كما أن شروط الإقراض قد تختلف من جنسية إلى أخرى على الرغم من وجود كفيل مواطن، وهذا كله يشكل عائقاً أمام تطور أعمال المستثمرين».
وأشار أنور إلى أن بعض البنوك في الآونة الأخيرة تقوم بالاتصال بالعميل لدى تحويله مبالغ تتجاوز 50 ألف درهم من الداخل أو الخارج للسؤال عن علاقة العميل بالزبون أو تطلب وثائق لإثبات تلك العلاقة مثل الفواتير أو بوالص الشحن أو الكشوف الجمركية.
التصدير رئة الاقتصاد
واعتبر هاني عبد اللطيف، مدير تأمين ائتمان الصادرات في شركة الإمارات لتأمين ائتمان الصادرات، أن التصدير هو بمثابة الرئة والمتنفس الجيد للاقتصاد وأحد أهم مصادر العملات الصعبة، وأكد ضرورة نشر الوعي حول مفهوم تأمين ائتمان الصادرات كإحدى الصناعات الواعدة التي تدعم نشاط الشركات الصغيرة والمتوسطة المصدرة. وتقوم شركة الإمارات لتأمين ائتمان الصادرات بإدارة المخاطر المرتبطة بالتصدير من خلال توفير المعلومات الضرورية عن المستوردين من حيث قدرتهم الائتمانية وملاءتهم المالية، بالإضافة إلى تقديم المشورة للمصدرين وضمان استرداد ذممهم الدائنة بعد انقضاء فترة البيع الآجل.
وأضاف عبد اللطيف: «إن نقص المعلومات الضرورية والمشورة هو من أهم التحديات التي تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة في الإمارات ودول الخليج بشكل عام. كما افاد عبد اللطيف بأن الشركة تدرس تقديم خدمة التمويل أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة للقيام بعمليات التصدير بالتعاون مع بنوك رائدة في الدولة وذلك خلال عام 2012، ما يسهم في الحد من تعقيدات ومتطلبات القروض البنكية، ويسهل التعامل مع الجهات المعنية.
البنية الهيكلية للبنوك
يقول فيجاي كومار، مدير استشارات المخاطر في «دن أند برادستريت»: «أثرت الأزمة العالمية في نشاط الإقراض لدى بنوك الإمارات خلال العامين الماضيين. ولا تزال تلك البنوك تستخدم الحذر والانتقائية حين قيامها بإقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة لارتفاع نسبة المخاطر المترتبة على إقراض تلك الشركات ويعود ذلك إلى نقص المعلومات المعتمدة وهذا ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة تمويل هذا القطاع».
ويضيف كومار: «إذا أرادت البنوك الوصول إلى شريحة الشركات الصغيرة والمتوسطة بشكل فاعل فعليها تطوير استراتيجية تقوم على إيجاد هيكلية تركز على انتاج وسائل وخدمات تمويلية خاصة بهذه الشريحة وتفرغ موظفين لهذا الغرض، بالإضافة إلى ضرورة تطوير وسائل للوقوف باطلاع على القوة الائتمانية لتلك الشركات بشكل منطقي وعادل يحفظ حقوق الطرفين».


