أكد الدكتور سامي محروم، رئيس مبادرة دعم السياسات الابتكارية لدى كلية إنسياد على أهمية تعزيز مقدرات دبي التنافسية بعد نجاحها في تعزيز مكانتها كمركز تجاري واستثماري منافس اقليمياً وعالمياً، وأشار في حوار مع (البيان الاقتصادي) إلى أن دبي، وبعد نجاحها في مرحلة تعبئة الموارد بالاستفادة من قدراتها الذاتية بالإضافة إلى الموارد المالية والبشرية العالمية، بحاجة للانتقال إلى مرحلة جديدة من خلال استخدام هذه الموارد بشكل فعال أكثر لخلق القيمة المضافة والتنافس على مستويات جديدة، لافتاً إلى أن ذلك يتم من خلال استثمار دبي لإنجازاتها المتعددة والتوسع أفقياً في بعض منها للانتقال إلى مراحل توسعية متقدمة، وعدم الاكتفاء بما حققته بعض شركاتها، ومنها طيران الإمارات على سبيل المثال، من مكانة عالمية مرموقة، ودعا إلى استنساخ تلك التجارب الناجحة في قطاعات متطورة وجديدة لتحقيق ما أسماه "التنويع المترابط"، مؤكداً على أهمية تعزيز مكانة ودور الابتكار في منظومة دبي الاقتصادية وخططها التنموية.

وأكد محروم، الذي يتمتع بخبرة واسعة في مؤسسات عالمية على غرار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومؤسسة راند، أن الإمارات عموماً عززت مكانتها التنافسية على المستويين الإقليمي والعالمي، وذلك بعد أن نجحت في تطوير البنية التحتية والتقنية وتوفير كافة الخدمات والتسهيلات اللازمة لمختلف الأعمال، مشيراً إلى أن التنافسية تعني التميز في تقديم خدمة أو سلعة بتكلفة أقل ونوعية أفضل. مضيفاً أن دبي طورت نموذجاً تنافسياً لجذب المستثمرين من مختلف أنحاء العالم.

وأشار إلى أن الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي تتمتع به الإمارات أهم عوامل تعزيز تنافسيتها في ظل أحداث الربيع العربي، لافتاً إلى أن الإنفاق على تطوير الابتكار واعتماد مستوى محدد من المخاطر عاملان مهمان أيضاً. وفيما يلي نص الحوار:

 

على صعيد التنافسية

كيف تقيمون انجازات الإمارات على صعيد التنافسية ؟

نجحت الإمارات في تعزيز مكانتها التنافسية ضمن أنجح الدول اقليمياً وعالمياً في تطوير البنية التحتية والتقنية وتوفير مختلف الخدمات والتسهيلات اللازمة لقطاع الأعمال، وتحولت بذلك إلى مركز محوري لاستقطاب الاستثمارات وكبرى الشركات العالمية وجذب الخبرات المهنية والعلمية في المنطقة.

ويأتي ترتيب الدولة في المرتبة 27 عالميا في تقرير التنافسية العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي ليعكس هذا النجاح لكنه يبقى أحد المؤشرات فقط وليس الهدف الرئيسي، حيث يمكن تغير ترتيب الدول لأسباب حسابية بحتة.

ويمكن القول أن نجاحات الإمارات ودبي على صعيد التنافسية تتحدث عن نفسها، حيث جذبت دبي استثمارات خارجية ضخمة، وتأتي في المرتبة الأولى اقليمياً من حيث عدد الشركات الأجنبية والمؤسسات الدولية العاملة فيها، وكذلك فيما يتعلق بجاذبيتها للمهارات والخبرات البشرية، بالإضافة إلى بنيتها التحتية المتفوقة على مستوى المنطقة والتي توفر سهولة السفر والتنقل من وإلى دبي، وجميع هذه العوامل تكتسب أهمية كبيرة ضمن امكانات التنافسية، لكن لا تؤخذ جميعها بعين الاعتبار في الدراسات والمؤشرات الصادرة عن بعض المؤسسات على غرار المنتدى الاقتصادي العالمي وغيره.

وهنا يجب الإشارة إلى أن تغير ترتيب الدولة بدرجات قليلة أعلى أو أقل على سلم تقارير التنافسية لا يشكل الاولوية القصوى، بل الأهم من ذلك دراسة تجارب أفضل عشر دول التي تحتل الصدارة عالمياً والاستفادة من تجاربها.

 

مناخ أفضل

ما هو التعريف الأمثل للتنافسية، وهل تعكس التقدم الاقتصادي للدول أو نجاحها في استقطاب استثمار أجنبي أكبر؟

التعريف الأمثل هو التنافس عن طريق التمايز في تقديم خدمة أو سلعة بتكلفة أقل أو نوعية أفضل

مقارنة مع دول منافسة أخرى والتفوق عليها، ويأتي من ضمنها دعم الاستثمارات العالمية عن طريق توفير البيئة والأرضية المناسبة للمستثمر الأجنبي. وقدرة الدولة على جذب الاستثمار الأجنبي تعني أنها نافست ونجحت في هذا المضمار.

حيث كان بمقدور تلك الأموال الاتجاه إلى مناطق أخرى من العالم، لكن التنافسية تأتي في إطار عام وأكثر شمولية، وتتألف من عدة مكونات وأطر، أي المنافسة في مختلف القطاعات والمجالات بما يعكس القدرة على التفوق على الآخرين بما يخلق مناخاً اقتصادياً أفضل وأكثر جاذبية، بحيث تتمكن الدولة من تعزيز مكانتها كمركز أفضل لإدارة الأعمال وإنتاج السلع وتقديم الخدمات، والأفضل هنا تعني نوعية ممتازة بكلفة أقل.

وفي حال ارتفاع التكلفة، يجب أن تكون النوعية أفضل بكثير من المنافسين بما يبرر ارتفاع تكلفتها، وهنا يكون التنافس على نوعية الموارد البشرية والمؤسساتية، مما يتطلب توفير أطر إنتاجية أفضل لتنظيم عمليات الإنتاج والتشغيل، ويلعب العامل الزمني دوراً محورياً في تنافسية بيئة الأعمال، أي كم من الوقت يستغرق تأسيس شركة ما أو استكمال وثيقة معينة.

ويمكن التنافس أيضاً على أساس الأطر القانونية والتشريعية الناظمة لعملية الإنتاج، كالنظام القضائي الفعال وتسجيل الشركات والخدمات الحكومية بالإضافة إلى البنية التحتية، ومن ضمنها سهولة استقطاب الخبرات الأجنبية من إجراءات الإقامة والفيزا إضافة إلى توفير نمط حياة راقي، وتأتي هذه العوامل ضمن بيئة الكلفة النوعية إلى جانب الأطر العامة والتي يتعارف على تسميتها الشروط الإطارية.

مرحلة القيمة المضافة

هل هناك ارتباط بين تحسن المقدرات التنافسية للدول ونمو أدائها الاقتصادي ؟

عادة ما ينعكس تطور المكانة التنافسية للدولة إيجابياً على الناتج المحلي الإجمالي لكن على المدى المتوسط والقصير. وهناك خطأ شائع لدى الباحثين في هذا المضمار، وذلك عبر افتراض أن وجود المقدرات التنافسية لدى دولة ما يعني أنها تنافس باقي الدول فعلياً، إذ قد يتمتع بلد ما بجميع القدرات التنافسية لكن لا يتم استغلالها بالشكل المطلوب، وبالتالي لا ينجح في تحقيق نمو اقتصادي كبير.

فهناك بعض الدول التي تمتعت باستقرار سياسي وأمني وسياسة اقتصادية تنموية واضحة، إلى جانب توفيرها بنية تحتية متطورة وقوة عاملة متعلمة لفترات زمنية طويلة لكنها لم تشهد نهضة حقيقية كماليزيا وتايلاند والأرجنتين بحيث لم يرتفع دخلها القومي بمعدلات مضاعفة على غرار ما حققته كوريا أو تايوان، فهناك دول استفادت اقتصادياً من ميزاتها التنافسية خلال فترة معينة وتوقفت بعدها، إذ لا بد من إنجاز مرحلة تعبئة الموارد والانتقال إلى مرحلة خلق القيمة المضافة.

 

توظيف القدرات التنافسية

وما أبرز أسباب فشل بعض الدول في توظيف قدراتها التنافسية في مسيرة التنمية الاقتصادية ؟

يواجه كل بلد تحديات خاصة ضمن ظروفه وواقعه الخاص في هذا الإطار، ويأتي في مقدمتها عدم تضافر وتعاون المؤسسات الحكومية بالشكل المطلوب لتحقيق أهداف تنموية مشتركة، بالإضافة إلى العامل الثقافي الذي قد لا يشجع على ريادة الأعمال، إلى جانب تركيز وانشغال الأطراف المعنية بتقاسم الكعكة الاقتصادية عوضاً عن تكبير حجمها.

 

ريادة عالمية

وهل تجاوزت الإمارات مرحلة تعبئة الموارد؟

نجحت الإمارات في مرحلة تعبئة الموارد، وتميزت دبي في هذا المجال نظراً لضعف ثرواتها الطبيعية بالإضافة إلى محدودية مواردها البشرية المحلية، إذ حققت مرحلة متقدمة من تأهيل وتدريب المهارات الوطنية والانفتاح على العالم، والاستخدام الأمثل للأراضي بالإضافة إلى استثمار شواطئها البحرية، وقد حان الوقت للانتقال إلى المرحلة الثانية عبر الابتكار والريادة على صعيد عالمي، لأن النمو المصاحب لمرحلة التعبئة والذي ينعكس في ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي ليس نمواً حقيقياً بل مجرد مرحلة انتقالية، لكن المرحلة الثانية تقضي باستخدام الموارد المحلية بشكل فعال أكثر لخلق القيمة المضافة والتنافس على صعيد جديد ومستويات مختلفة. فالتنافس في المرحلة الأولى يكون على صعيد بناء الكفاءة وحشد الموارد بالطرقة الأفضل، لكن المرحلة الثانية تتضمن المنافسة عل خلق قيمة مضافة جديدة.

وقد نجحت دبي في تطوير نموذج تنافسي بامتياز لجذب المستثمرين من مختلف أنحاء العالم، أي من يتمتعون بأفكار جديدة وخلاقة في مجالات متنوعة من سياحة ونقل وتقنية معلومات بالإضافة إلى القطاع الإعلامي، وذلك من خلال المناطق الحرة والمتخصصة من مدينة دبي للانترنت والإعلام وغيرها، وكانت تلك الجهود بهدف الاستفادة من القدرات الريادية والخبرات العملية والتقنية المتوافرة في مناطق مختلفة حول العالم، وبذلك تكون دبي قد نجحت في تعبئة موارد العالم بالإضافة إلى جانب تعبئة مواردها الذاتية.

الخطوة التالية

ما هي الخطوة التالية التي تحتاجها دبي لخلق قيمة مضافة ؟

من الضروري أن تقوم دبي بالاستفادة من نجاحاتها المتعددة والتوسع افقياً في بعض منها للانتقال إلى مراحل متقدمة، أي أن لا تكتفي ببناء شركات رائدة ومبتكرة فقط، بل الارتقاء بإمكاناتها إلى مرحلة التنافس عالمياً على نطاق أوسع، وقد حققت ذلك من خلال بعض الشركات على غرار شركة طيران الإمارات وموانئ دبي العالمية وسوق دبي الحرة، لكن لا يجب التوقف عند هذه الإنجازات والاكتفاء بشركة أو شركتين، بل يجب استنساخ تلك التجارب الناجحة في قطاعات جديدة، حيث تتمتع مجالات التقنية الحديثة بمردود اقتصادي أعلى من خلال توفير عائد أكبر على كل دولار يتم استثماره مثل التقنية الحيوية وتقنية النانو.

ويمكن أيضاً أن تقوم الشركات الناجح في قطاعات تقليدية بخلق أسواق جديدة أو خدمات ومنتجات مبتكرة في أسواق نوعية جديدة بما يسمى باستراتيجية المحيط الأزرق، أي تلك المجالات التي لا تشهد منافسة حقيقية بعد، مما يمكنها أيضاً بتحقيق عوائد وأرباح أكبر.

وهنا تبرز ضرورة تنويع الإنفاق على تطوير الابتكار واعتماد مستوى محدد من المخاطر، أي أن تتوزع 75 من الاستثمارات على التنويع المترابط، فيم يتم تخصيص 25 % كرأس مال مغامر في حقول وقطاعات جديدة.

 

ابتكار متنوع

كيف يمكن لدبي أن توظف الابتكار وتستفيد منه بالشكل الأمثل؟

لقد حان وقت الاستثمار في الابتكار بالنسبة لدبي بعد أن تجاوزت مرحلة تعبئة الموارد، ويمكن اتخاذ القطاعات الاقتصادية التي تميزت فيها كالسياحة وتجارة التجزئة والنقل واللوجستيات بالإضافة إلى الإنشاءات كقاعدة انطلاق نحو الخطوة التالية، بالاستفادة من ميزة الاستقرار السياسي والاجتماعي، ومن ثم يتم دراسة مجالات تنتمي قطاعياً لتلك النجاحات لكن تختلف عنها، على غرار صيانة الطائرات وصناعة قطع الغيار بالنسبة لطيران الإمارات، التي يمكن لها أيضاً، وفي إطار تميز خدماتها، إطلاق شركة متخصصة في التصميم الداخلي للطائرات ومفروشات المقاعد، ويمكن أيضا.

 إضافة لمسة شرقية تعكس خصوصية المنطقة العربية، وتسمى هذه السياسة بالـ"تنويع المترابط"، أي التنويع المبني على الابتكار وتوظيفه في خدمة القطاعات الناجحة، وذلك باعتماد نقاط القوة التي تتمتع بها الإمارة وشركاتها وبناء تنافسية عالمية انطلاقاً منها، فعلى سبيل المثال يمكن أيضاً الابتكار والتنويع في مجال الأبنية الخضراء في ظل ازدهار دبي العمراني، أو تجديد الأبنية القديمة بما يتوافق مع المعايير البيئية، وذلك بتأسيس شركات تطور تقنيات جديدة في هذه المجالات لتصدرها لاحقاً إلى العالم.

 

 

مراحل بناء القدرات التنافسية

 

تأتي مرحلة تعبئة الموارد كمرحلة أولى في مراحل بناء القدرة التنافسية، وتتضمن بناء المؤسسات وتطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية والارتقاء بمستوى التعليم واستصلاح الأراضي واستثمارها وغيرها من الجهود التنموية، ومن ثم تأتي المرحلة الأصعب المتمثلة في خلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني، وهنا يأتي دور الابتكار في دعم القدرات التنافسية للدول.

ويعتبر عامل الاستقرار أحد مكونات التنافسية للدول، بما في ذلك الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني بالإضافة إلى استقرار السياسة الاقتصادية، وتتفاوت أهميته وفقاً للظروف الإقليمية، حيث يتصدر الأولوية في أوقات الأزمات، وعادة ما يشهد استقرار السياسات الاقتصادية تباينات بين الدول المتقدمة، حيث يتأثر مثلاً بقرار البنوك المركزية رفع أو خفض أسعار الفائدة بمعدلات كبيرة ومتكررة، وقد تجاوزت أوروبا هذه الإشكالية إلى حد ما إثر تشكيل البنك المركزي الأوروبي.

فيما يتعاظم دور الاستقرار السياسي والأمني في الدول النامية التي تصنف المنطقة العربية من ضمنها، وفي ظل أحداث الربيع العربي تعززت تنافسية الإمارات نظراً لما تتمتع به من استقرار سياسي واجتماعي.