أكد المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع أن السيولة الموظفة في شهادات الإيداع لدى المصرف المركزي كافية لتغطية أي سحب للودائع غير المقيمة، وأن المخاوف من سحب المزيد من الودائع من الأسواق المحلية، بضغط من حاجة المصارف الأوروبية لسيولة عالية قد تدفعها لسحب المزيد من الودائع، وبما يؤدي إلى تفاقم أزمة شح السيولة المحلية وينعكس بدوره على الأسواق المالية، هي مخاوف غير واقعية.

وأضاف أن الإمارات قادرة على اتباع أسلوب التخفيف الكمي، بل إنها أولى باتباع هذا الأسلوب كحل لمسألة القروض العالقة في الاستثمار العقاري، سواء بالنسبة للمقاولين أو للمطورين.

ودعا إلى تغيير تركيبة الودائع في الدولة من خلال خلق وإيجاد بدائل استثمارية للمودعين تقلل من توجههم نحو الإيداع المصرفي بودائع ثابتة، وذلك ضمن أساليب خلق بدائل التمويل المصرفي يمكن الاستفادة منها وتوظيفها لصالح تحسن أداء أسواق الأسهم.

وكانت قيم التداول في أسواق الأسهم المحلية قد واصلت التراجع خلال الأسبوع الماضي بتأثير من تضافر العوامل المحلية والعالمية. وسجل مؤشر سوق الإمارات حتى يوم الثلاثاء أعلى نسبة تراجع منذ 21 أغسطس الماضي.

وقد خسر المؤشر 9.6% من قيمته منذ تفاقم التصعيد الإعلامي في مطلع مايو الماضي بشأن الديون الأوروبية. وتحقق ثلث هذه الخسارة منذ منتصف الأسبوع الماضي، بعد أن وصل التهويل الإعلامي إلى درجة مقارنة التراجعات الراهنة بأحداث ما قبل ليمان برذرز. حيث تصاعد الحديث إعلاميا عن متطلبات رسملة المصارف الأوروبية التي يوحي الإعلام الذي تقوده الولايات المتحدة بأنه أمر لا مفر منه لتجنب انهيارات كارثية.

وتزامنت تراجعات الأسبوع مع عوامل محلية أعطت إشارات سلبية للأسواق، تمثلت بتراجع الودائع خلال شهر أغسطس بفيمة 35 مليار درهم وفقا لآخر البيانات التي أصدرها المصرف المركزي، والتي كانت قد سبقتها تراجعات بقيمة 12.4 مليار في قيمة الودائع في شهر يوليو.

 

ذعر في الأسواق العالمية

وكتب الدكتور الشمّاع في تقريره الأسبوعي: تزامنت هذه الإشارات المحلية مع تفاقم الاحتجاجات في اليونان ضد الإجراءات التقشفية التي تتخذها الحكومة، ومع ما تناقلته الأخبار من تصريحات لرئيس الوزراء البريطاني السابق تفيد بأن مسالة ديون أوروبا باتت بدون حل. فالأسواق العالمية تعيش حالة الذعر من مجرد مخاوف.

ومخاوف من مخاوف، في سلسلة لا تستند إلى معطيات رقمية مدروسة بشكل علمي وموثق بصورة رسمية، ودون أن يحدث على ارض الواقع ما يبرر هذا الذعر. وتعرضت البنوك الأوروبية للحصة الأكبر من التهويل الإعلامي.

وذلك على الرغم من أن حاجتها للدعم غير مؤكدة لدى القادة الأوروبيين، والذين يبدون استعدادهم لدعمها في حالة التأكد من وجود ضعف في ملاءتها. وأدى تراجع القيمة السوقية لأسهم المصارف الأوروبية لتراجع مؤشرات الأسواق الأوروبية منذ مطلع يوليو الماضي بنسبة تزيد على 25% لكل من الفرنسية والألمانية، وبنسبة اقل للبريطانية، تليها الأميركية.

 

أسواقنا أقل تراجعاً

وقال الدكتور الشمّاع: مع أن أسواقنا المحلية شهدت تراجعات قوية في الأسبوع الماضي، إلا أنها كانت اقل تراجعا من الأسواق العالمية. غير أن الشك في مصداقية الإعلام ومبالغاته يدفعان الأسواق للارتداد بشكل كبير مع أي إشارات ايجابية تظهر في الاقتصاد، أو مع أية جهود رسمية تبذل لاحتواء الأزمة.

وقد كانت ارتدادات يومي الثلاثاء والأربعاء في الأسواق الأميركية ويوم الأربعاء في الأسواق الأوروبية مؤشراً على أن ما يجري الآن ليس تكراراً لما حدث في عام 2008، وان العالم مقبل على تعاف تدريجي.

وأن أوروبا لن تترك اقتصادها وجهود أكثر من نصف قرن من العمل في تمتين الوحدة الأوروبية تضيع لمجرد أخطاء ارتكبت بوحي من النظام الاقتصادي العالمي المفرط في الحرية الاقتصادية، والمُقل من الضوابط المقيدة لتصرفات المصارف وانجرافها وراء هاجس تحيق الربح السريع. فقد تمكنت الأسواق الأوروبية من تقليل خسائر ثلاثة أشهر في يوم واحد بنسبة 10 إلى 14%، كما قللت الأسواق الأميركية خسائر ثلاثة اشهر في يومين بنسبة 10%.

 

مخاوف غير واقعية

وتابع الدكتور الشمّاع: جاء التراجع الحاد نسبيا في الأسواق المحلية يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين بالدرجة الأساسية نتيجة لمخاوف الأسواق المحلية من أن تتكرر مسألة سحب الودائع، التي جرت في الربع الأول من العام 2008 بقيمة تزيد على 170 مليار درهم تم سحبها من قبل الأجانب.

حيث كانت قد وفدت إلى الدولة كأموال ساخنة تبحث عن المضاربة في العملة المرشحة حينذاك لإعادة تقييمها، الأمر الذي ولّد فجوة بين القروض والودائع لصالح القروض، أجبرت المصارف تحت ضغط السلطة النقدية على التوقف عن منح القروض.

وأوضح قائلاً: تخشى الأسواق المحلية الآن من أن حاجة المصارف الأوروبية لسيولة عالية قد يدفعها لسحب المزيد من الودائع من الأسواق المحلية، وبما يؤدي إلى تفاقم أزمة شح السيولة المحلية وينعكس بدوره على الأسواق المالية. وهذه المخاوف غير واقعية، فليس كل الودائع غير المقيمة يمكن أن تسحب من الدولة.

حيث أن نسبة ودائع غير المقيمين لم تهبط تاريخيا عن 5% من ودائع المقيمين. وبافتراض هبوط ودائع غير المقيمين إلى نسبة 5% من ودائع المقيمين، فإن المتبقي لن يقل عن 50 مليار درهم. لذا فإن أقصى ما يمكن أن يتم سحبه من الودائع غير المقيمة هو 25 مليار درهم أخرى.

وحتى عند سحب هذا المبلغ فإن الفجوة بين الودائع والقروض ستكون صفراً، أي لن تكون سالبة كما حدث في 2008. ومن ناحية أخرى، فإن السيولة الموظفة في شهادات الإيداع لدى المصرف المركزي كافية لتغطية أي سحب للودائع غير المقيمة. فحتى يوليو الماضي كانت قيمة شهادات الإيداع تزيد على قيمة مجموع ودائع غير المقيمين، حيث كانت 118 مليارا. وبذلك فإن الخشية من أن تتكرر الحالة التي مر بها النظام المصرفي الإماراتي في 2008 مستبعدة تماما.

 

أسلوب التخفيف الكمي

وقال الدكتور الشمّاع ان الإمارات قادرة على اتباع أسلوب التخفيف الكمي، بل إنها أولى باتباع هذا الأسلوب كحل لمسألة القروض العالقة في الاستثمار العقاري، سواء بالنسبة للمقاولين أو بالنسبة للمطورين. فالإمارات وبخلاف الدول المتقدمة، سواء في أوروبا او الولايات المتحدة، لم تغرق في ديون استهلاكية لا يقابلها إنتاج.

فالإقراض المفرط اتجه نحو بناء شوامخ عمرانية وعقارية تنتظر من يقوم بشرائها. ولولا الأزمة المالية العالمية لكانت قد بيعت جميعها وليتم تسديد أثمانها وقروضها. وقد يكون التخفيف الكمي أسلوبا غير تقليدي هناك من يتحفظ عليه وعلى المخاطر التي قد تترتب عليه.

وبالمقابل، فإن بقاء الأوضاع الراهنة دون إجراءات تسرع التعافي والخروج من حالة الركود هذه قد يجعل الاقتصاد يتخلف عن مسار نهوض الاقتصاد العالمي، وتسارع وتيرة النمو المتوقعة في النصف الثاني من العام المقبل. والبحث عن بديل تمويلي يضمن تدفق السيولة في كافة القنوات الاقتصادية ويعيد الانتعاش للاقتصاد الإماراتي يجب أن يكون هدف السياسات المالية والنقدية في الدولة، والتنسيق فيما بينها هو الوسيلة الأكثر فاعلية للوصول إلى النتائج المتوخاة.

 

ترابط سوقي العقار والأسهم

وأضاف الدكتور الشمّاع ان المشكلة التي واجهت وتواجه اقتصاد الدولة هي العلاقة المترابطة السببية بين العقار وأسواق الأسهم. فلكون غالبية المستثمرين في سوق العقار مستثمرين أيضاً في سوق الأسهم، فإن هبوط احدهما يدفع المستثمرين المدينين لتسييل أصولهم في السوق الأخرى لتسوية التزاماتهم المدينة.

فالمخزن الرئيسي لثروات المواطنين هو العقار بالدرجة الأولى، ومن ثم الأسهم، وكلاهما لنفس الأفراد والمؤسسات. وقد تراجع كلا المخزنين في آن واحد؛ الأسهم بنسبة زادت على 60% منذ بداية الأزمة العالمية، بخسارة تزيد على 500 مليار درهم، والعقار بنسبة تبلغ في المتوسط 40%، بخسارة تقدر بتريليون درهم. صحيح أن هذه الخسائر ورقية.

ولكن الصحيح أيضا أنها ذات تأثير نفسي كبير على من فقد هذه الثروة وإن نظريا. وبافتراض أن مجموع الخسائر الورقية في سوقي العقار والأسهم هو تريليون درهم، فإن حصة كل مواطن تصل إلى ما يزيد على المليون درهم كمتوسط حسابي وكحد أدنى، وهذا الشعور بالإفقار والخسائر هو ما يحول دون انتعاش الاسواق، وعند استبعاد من هم دون الـ 18 سنة (الأطفال)، فإن المتوسط الحسابي يقفز الى 1.6 مليون درهم.

 

بدائل التمويل المصرفي

وبشأن بدائل التمويل المصرفي قال الدكتور الشمّاع ان جوهر هذه البدائل يكمن في ظاهرة الترابط بين نسبة الودائع تحت الطلب ومؤشرات الأسواق، والتي يمكن الاستفادة منها وتوظيفها لصالح تحسن أداء أسواق الأسهم. هذه البدائل يمكن أن تتحقق باتباع واحد من أسلوبين، الأول هو خفض الاحتياطي الإلزامي، على الأقل من خلال استبعاد الودائع الادخارية من نسبة الـ 14%.

والثاني، وهو الأهم، يتحقق من خلال السعي المشترك للسياستين المالية والنقدية لتغيير تركيبة الودائع في الدولة. وذلك من خلال خلق وإيجاد بدائل استثمارية للمودعين تقلل من توجههم نحو الإيداع المصرفي بودائع ثابتة.

إن وجود سندات للدين العام عالية التصنيف الائتماني، إلى جانب سندات للقطاع الخاص؛ يسهل إصدارها وجود سوق منظمة للسندات بعد قيام الحكومة بإنشاء مكتب الدين العام وإصدار السندات، سيحل العديد من المشكلات في آن واحد، ففي الوقت الذي تتحرر فيه السيولة من القناة الوحيدة للاستثمار بالعائد الثابت.

 وهي الودائع البنكية الثابتة، وتنطلق لتوفر التمويل للحكومة أو للشركات الخاصة المصدرة للسندات، وبما يجعل التدفقات النقدية تصبح موجبة، فإنها ستوفر للمصارف في نفس الوقت أدوات للتوظيف عالية السيولة تدفع باتجاه إعادة تدوير الأموال في القنوات الاستثمارية المباشرة، في الوقت الذي تكون المصارف قد حققت متطلبات بازل 3.

كما أن هيكل الودائع سيتغير في ذات الوقت لصالح ارتفاع الودائع تحت الطلب كنتيجة لقيام المودعين بسحب الودائع وتوظيفها في سندات، سواء حكومية او خاصة، والتي ستقوم بدورها بإعادة إيداعها لدى المصارف، ولكن على الأغلب بصورة ودائع تحت الطلب، بانتظار التوظيف في الفرص الاستثمارية التي تم الاقتراض من أجلها. وهنا سيكون أمام المصارف فرصة مجددا لتوظيف الجزء الآمن من هذه السيولة في السندات الحكومية الى النسب التي تتطلبها بازل 3، وبما يخلق عملية تكامل متبادلة من تدوير للسيولة في قنوات الاقتصاد كافة.