عادت أسواق المال في الإمارات إلى سباتها المتمثل بعدم التجاوب مع الأسواق العالمية سواء في ارتفاع المؤشرات أو قيم التداول، ورغم انتهاء أزمة سقف الدين وتخفيض التصنيف الائتماني للدين السيادي الأميركي وعودة الأسواق العالمية لأدائها الجيد نسبيا لتعوض الجزء الأكبر من خسائرها، فإن أسواق الإمارات تتراجع مؤشراتها السعرية وقيم التداول فيها، لتعبر عن أزمة اقتصادية يمر بها قطاع الأعمال الخاص تتمثل في تراجع أدائه على كافة الأصعدة وخصوصا تدفقاته النقدية نتيجة لبطء التداول والمبيعات وتراجع الطلب. ويشمل التراجع أسواق الأسهم والعقار والسيارات والسلع المعمرة وحتى خدمات الاتصالات ذات الطلب غير المرن.
وكتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية، الدكتور همام الشمّاع، في تقريره الأسبوعي تحت عنوان "أوضاع السيولة في الاقتصاد تتجسد في أسواق الأسهم": لم تسبب أزمة الديون الأوروبية والأميركية تراجعات كالتي شهدناها في أسواقنا المحلية. صحيح أن الأسواق الأميركية خسرت خلال هذه الفترة نسبا أعلى بكثير مما خسرته الأسواق الخليجية عموما والإماراتية خصوصا، إلا أن خسائر الأسواق الأميركية لا تشكل سوى جزء بسيط جدا من مكاسبها التي تحققت منذ بلوغها القاع في الربع الأول من عام 2009. فمؤشر ناسداك مثلا، والذي خسر منذ نهاية يونيو الماضي حتى يوم الثلاثاء الماضي 10%، كان قد حقق مكاسب بنسبة 110% من القاع التي كان قد بلغها في الربع الأول من عام 2009 وحتى نهاية يونيو 2011. والحال نفسه ينطبق على مؤشر داو جونز الذي لم يخسر منذ نهاية يونيو سوى 10% من مكاسبه التي كان قد حققها من قاعه في الربع الأول من 2009 وحتى يونيو2011. بينما أسواق الإمارات لم ترتفع عن قاعها، التي كانت قد بلغتها في فبراير 2009، سوى بنسبة 15%، خسرت منها 27% حتى الأسبوع الماضي.
التداولات ضعيفة
وأوضح الدكتور الشمّاع: كانت التداولات ضعيفة خلال الأسبوع الماضي، من حيث القيمة والحجم، وهي تقترب من مستويات التداول التي كانت سائدة قبل عدة سنوات، عندما كان الناتج المحلي الإماراتي أقل من نصف مستواه الحالي، وحيث كانت المعطيات الاقتصادية الرئيسية اقل بكثير مما هي عليه الآن، عندما كان عرض النقد الواسع في العام 2005 مثلا 300 مليار درهم، في حين يبلغ حاليا851 مليار درهم، أي قرابة الثلاثة أضعاف، وعندما كانت القروض والسلف الممنوحة في العام 2005 تصل إلى 374 مليار درهم مقابل 1056.4 مليار درهم حاليا، هذا الوضع يثير التساؤل عما إذا كان ذلك أمرا طبيعيا، أم أنه حالة تستدعي استنفار الجهود وحشدها لمعالجة الوضع الحالي، ربما ليس لأسواق الأسهم فحسب وإنما لكل الأسواق التي تعاني من ركود وتراجع بما في ذلك اسواق التجزئة بمختلف انواعها. وهو ما يتطلب مقارنة الحال في الإمارات مع الاقتصاد السعودي المجاور.
وقال: يظهر التراجع الهائل في قيم التداول، بمقارنته بالسعودية، ان الحال الراهن هو ظاهرة خاصة بالإمارات، وهي أكثر حدة بكثير عما عليه الحال في بقية دول الخليج. فمنذ اندلاع الأزمة المالية العالمية، وانتقال آثارها للدولة عبر مختلف الآليات، خسر الإماراتيون قرابة 1.5 تريليون درهم من ثروتهم، وفقا لبعض التقديرات، ثلثاها من تراجع قيمة العقار بنسب تتراوح 40-45%، فيما خسروا المتبقي من تراجع القيمة السوقية للأسهم، عندما كانت 870 مليار درهم في منتصف 2008 وتراجعت إلى حدود 386 مليار درهم حاليا. وهذه الخسائر متركزة لدى شريحة محدودة من الأفراد، وأعداد كبيرة من الشركات العقارية والمصرفية التي كبلتهم بديون غير قادرين على تدويرها بقروض جديدة، ودفعت من لديه سيولة منهم للإمساك بها بقوة، إما لغرض اقتناص الفرص، أو بسبب الخشية من مزيد من التراجع سواء في العقار أو أسواق الأسهم.
شح السيولة
وأضاف الدكتور الشمّاع: تولد شح السيولة عن تزامن توقف الإقراض المصرفي وتراجع قيم الأصول، واللذان أديا بدورهما إلى أن تعلق مليارات الدراهم من القروض في المصارف، ودفع ذلك المستثمرين في أسواق المال إلى سحب سيولتهم منها سواء من خلال الخروج من السوق أو عن طريق عدم ضخ أي سيولة جديدة فيها، وأدى أيضا إلى قيامهم بالتسييل عند حدوث أية ارتفاعات تجعل من البيع لبعض الأسهم أمر مجز قياسا بمعدل أسعار الشراء. وهكذا استمرت أسعار الأسهم ومؤشرات الأسواق تراوح في مكانها منذ أن بلغت القاع في فبراير 2009. وحتى الآن لم ترتفع أسواق الأسهم عن قاع 2009 سوى بنسبة 9%، فيما لا يزال داو جونز مرتفعا بنسبة 64% وناسداك بنسبة 103%. وبدأت الأسواق الإماراتية تفتقد تدريجيا إلى النقد المباشر ليتداول في الأسواق المالية، خصوصا وأن المستثمرين التقليديين من الأفراد، وهم في غالبيتهم من أصحاب الأعمال الذين كانوا يوظفون فائض سيولتهم سابقا في أسواق الأسهم، لم يعد لديهم سيولة فائضة للتوظيف في أسواق الأسهم، وحتى من لديه سيولة فائضة فهو يفضل الابتعاد عن المخاطر.
ضعف الاستثمار المؤسسي
وقال الدكتور الشمّاع: لم تعد محافظ الشركات والمؤسسات، التي سببت خسائر كبيرة، هي الأخرى تستقطب سيولة جديدة، والحال ينطبق على الصناديق وكل الاستثمار المؤسسي في أسواق الأسهم. لم يعد خافيا على احد أن أزمة نقص السيولة هي العامل الرئيسي المؤثر في حركة الأسواق، ليس المالية فحسب، وإنما كل الأسواق بما في ذلك تلك التي تتمتع بطلب غير مرن مثل خدمات الاتصالات. وواضح أن الأمر لا يقتصر على شح التداولات، وإنما يشمل حركة المؤشر العام للسوق، والتي ترتبط بعلاقة موجبة قوية بقيمة التداولات، وهو ما يقود بدوره لهيمنة المضاربات على أداء الأسواق في ظل استمرار تراجع المستثمرين. حيث تسعى شريحة المستثمرين لتحقيق المكاسب عبر تعميق الهبوط بالخروج سريعا من السوق وجني ارباح الجلسات السابقة ومعاودة الدخول في الجلسة اللاحقة. ويقود تراجع قيم التداول والمرتبط بشح السيولة الى اتجاه تراجعي للمؤشر.
وأضاف: يعود الفرق في أداء مؤشر السوق الأميركي، والارتباط القوي بين قيم التداول والمؤشر، إلى عوامل نقدية بدرجة كبيرة تتمثل في غياب سياسة نقدية فاعلة وسياسة مالية فاعلة وعالية الكفاءة في الإمارات، بينما يسير الاقتصاد الأميركي على أساس تكامل قوي بين السياستين المالية والنقدية. وإذا كانت السلطة النقدية في الدولة قد عملت بكفاءة عالية في ضمان سلامة النظام المالي ودرء المخاطر النظامية عنه، فإن حرية تسعير الفائدة في البنوك التجارية في العالم ضمن الليبرالية المتشددة، والتي يكرسها المصرف المركزي، إلى جانب وجود متسع كبير للبنوك التجارية والشركات المالية في ان تتحكم في الإقراض عن طريق فرض الشروط وتصعيب الائتمان أو التسهيلات الائتمانية قد عمق من تعطيل دور السياسة النقدية في ضمان استمرار النمو، والسهر على تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
الودائع والقروض
وذكر التقرير أنه كنتيجة لتخفيض معظم المصارف الوطنية للفوائد التي تدفعها للمودعين، في إطار سعيها للمحافظة على مستويات أرباحها، فقد انتهزت فروع المصارف الأجنبية هذه الفرصة كي تقوم إما بالإبقاء على أسعار الفائدة التي تدفعها للمودعين ثابتة دون تغبير، او برفع هذه الفوائد، الأمر الذي أظهر في الربع الثاني من هذا العام تحولاً في اتجاه الودائع وتوزيعها بين البنوك الوطنية والأجنبية. ففيما تراجعت الودائع في المصارف الوطنية، تزايدت قيمة الودائع لدى الجهاز المصرفي في الدولة، والذي يضم 28 فرعا لمصارف أجنبية عاملة في الدولة. والمفارقة الملفتة للنظر هي ان المصارف الوطنية التي تستحوذ على نسبة 87% من إجمالي القروض لم تمنح سوى أقل من 1% من رصيد قروضها، فيما منحت المصارف الاجنبية نسبة 4.5% من اجمالي رصيد قروضها، كما أن المصارف الوطنية فقدت 6% من رصيد ودائعها، بينما كسبت فروع المصارف الاجنبية نسبة 13.2% من إجمالي ودائعها. وقد تراجع رصيد الودائع لدى المصارف الوطنية بمقدار 6 مليارات درهم عن مستواه في الربع الأول من العام 2011. وبما أن إجمالي الودائع، وفق آخر البيانات التي أعلنها المصرف المركزي، في المصارف كافة الوطنية والأجنبية قد ارتفع بمقدار 20.9 مليار درهم في الربع الثاني مقارنة بالربع الأول، فمعنى ذلك أن رصيد الودائع لدى فروع المصارف الأجنبية قد ازداد خلال الربع الثاني بمقدار 26.9 مليار درهم. وفي ذات الوقت فقد ارتفع رصيد إجمالي القروض في الدولة بمقدار 8.3 مليارات درهم منها 800 مليون درهم من المصارف الوطنية والباقي وقدره 7.5 مليارات درهم من المصارف غير المدرجة، وهي في غالبيتها أجنبية.
تصرفات المصارف
والفرق بين الزيادة في ودائع المصارف الأجنبية، والبالغ 26.9 مليار درهم، والقروض التي منحتها في الربع الثاني، والبالغة 7.5 مليارات درهم، هو 19.4 مليار درهم. هذه المليارات من الدراهم تثير التساؤل في ظل ظروف الشح المالية التي يواجهها رجال الأعمال والشركات في الدولة: كيف انتقلت إلى فروع المصارف الأجنبية؟ وكيف تصرفت بها هذه المصارف؟
وأجاب الدكتور الشماع: المصارف الوطنية، وعلى الرغم من تراجع ودائعها بمقدار 6 مليارات درهم زادت من إقراضها بمقدار 824 مليون درهم، ويلاحظ أن المصارف التي ازدادت لديها الودائع زادت من إقراضها في الغالب، فيما قلصت المصارف التي تراجعت لديها الودائع من قروضها.
كما أن غالبية المصارف قامت في الربع الثاني بتقليل الفوائد التي تدفعها للمودعين وبنسب متفاوتة. وفي ذات الوقت، فإن فروع المصارف الأجنبية العاملة في الدولة تقدم أسعار فائدة مغرية للمودعين، في الوقت الذي تقوم فيه بتوجيه حصيلة الزيادة في الودائع نحو شهادات الإيداع وزيادة رصيدها لدى المصرف المركزي وكذلك الاحتياطي الإلزامي. وهنا لا بد من التساؤل ما هي مصلحة فروع المصارف الأجنبية في جمع السيولة وتخزينها واكتنازها لدى المصرف المركزي؟
