دعت شركة الفجر للأوراق المالية إلى إعادة النظر في السياسة النقدية التي تم اتباعها باعتبارها الدواء المر خلال الأزمة المالية العالمية للحماية من المخاطر النظامية. وأضافت في تقريرها الأسبوعي حول أسواق المال المحلية: الآن ومع تحسن الأوضاع لا نزال نتبع نفس الدواء وهذا خاطئ. ان علاج الأزمة المالية العالمية والمحلية يعتمد على ثلاثة محاور الأول يعني بحماية البنوك من المخاطر النظامية والثاني يعني بتحفيز الاقتصاد والثالث يعني بتحديث القوانين التي تحمي النظام المالي في حالة عودة الأزمة المالية مرة أخرى.
وقال نبيل فرحات الشريك في شركة الفجر للاوراق المالية: منذ بدء الأزمة في الإمارات نرى أن المسؤولين عملوا على المحور الأول والثالث متجاهلين المحور الثاني وهو تحفيز الاقتصاد او تحفيز الطلب. وهذا ما دعا صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير إلى الطلب مرة أخرى من المسؤولين في الدولة اتخاذ إجراءات من شأنها ان تحفز الطلب في الإمارات.
وأضاف: خلال السنوات الماضية لعب المصرف المركزي دورا جوهريا في إعادة الاستقرار في النظام المالي في الدولة، حيث تطلب ذلك جهودا جبارة. ولكن المصرف في حاجة الى مساعدة في عملية تحفيز النشاط الاقتصادي في الدولة. حيث ان الإشراف وتحسين قدرات النظام المالي في الدولة جاء على حساب أداء الاقتصاد المحلي (في سبع إمارات مختلفة). لذلك يجب ان تكون هناك جهة مستقلة مختصة في إدارة الشؤون الاقتصادية في الدولة تعمل لمساندة المصرف المركزي لمعرفة مواقع الضعف والقوة والتي بناء على تقاريرها يبني المصرف المركزي سياسته النقدية (مع إعطائه الصلاحيات المناسبة والتمويل اللازم).
التذبذب العالي للاقتصاد
وأشار فرحات إلى ان السياسة التي كانت تدار بها الأمور هي سياسة «ترك الأمور والتدخل فقط عند حدوث المشكلة» والتي تعتمد على ترك الاقتصاد على طبيعته (الإقراض والاقتراض والخطط التطويرية الطموحة) والتدخل فقط عند حصول المشكلة. وهذا يؤدي الى تذبذب الاقتصاد من أقصى اليمين (نتيجة لترك الأمور دون تدخل ثم التدخل الحكومي القاسي كرد فعل للازمة) إلى أقصى اليسار. وقال: نحن الآن نعاني من تبعات سياسة التشدد (الإفراط في عدم التمويل).
وقال فرحات: السبب في هذا التذبذب العالي يعود الى عدة عوامل الاول منها انه ليس هناك سياسة نقدية محلية بسبب ربط سعر الدرهم بالدولار. وبالتالي أي تغير في الفوائد في الولايات المتحدة سيؤدي لتغير في الفوائد المحلية من دون الأخذ بعين الاعتبار موقع الدورة الاقتصادية المحلية. حيث ان أولوية المصرف المركزي هي دعم ربط العملة بالدولار والإشراف على المصارف وليس تحفيز الاقتصاد. والسبب الثاني هو عدم وحدة السياسة الاقتصادية بين الإمارات السبع، حيث ان تعدد مراكز القرار ومن ثم الأجندات الاقتصادية يؤدي الى خلل في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام مع التحكم بمستويات التضخم. وهذا يتطلب التعاون الاكبر بين الإمارات السبع ليس فقط على المستوى الاتحادي ولكن الاهم على المستوى المحلي لخلق نظام اقتصادي متطور ومتوازن. والسبب الثالث في عدم إدارة الاقتصاد المحلي بكفاءة هو عدم وجود جهة مسؤولة وفعالة ذات تمويل وصلاحيات مناسبة. وهذا كان مقبولا عندما كان الناتج المحلي لا يتعدى 100 مليار درهم. ولكننا الآن في اقتصاد يبلغ حجمه فوق التريليون درهم مما يتطلب التوسع في الجهاز الاقتصادي وإعطائه تمويل وصلاحيات أكثر (بالتعاون مع المصرف المركزي) ليستطيع ادارة الاقتصاد بكفاءة عالية مما يمنع دخولنا في الحائط كل سنتين او ثلاث. وأكد أن ترك العبء كله على المصرف المركزي لتحسين الوضع الاقتصادي في الدولة غير عادل. حيث يتطلب المصرف مساندة من جهة اقتصادية (مدعومة باقتصاديين ذوي خبرة وجهاز إحصائي فعال وأكثر شفافية) وذلك للنهوض بالاقتصاد الوطني المحلي وتحصينه ضد المخاطر المستقبلية واستقرار الأسواق المالية.
أداء الأسواق يتهدد التعافي
كتب المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية الدكتور همام الشمّاع في تقريره الأسبوعي حول أسواق الأسهم المحلية: يتساءل المرء عن ما إذا كانت مقولة ان أسواق الأسهم مرآة الاقتصاد هي مقولة صحيحة في الإمارات، كما هي في كل بلدان العالم. فاقتصاد الإمارات يواصل إصدار مؤشرات التعافي من أثار الأزمة المالية منذ بداية العام الحالي فيما تواصل الأسواق الإماراتية إظهار علامات الضعف والانتكاس بعد كل ارتفاع تحققه الأسواق. هذه المفارقة بين أداء الاقتصاد وأداء أسواق الأسهم، التي تعمق هبوطها هذا الأسبوع، تتطلب الوقوف مليا عندها لتحديد اسبابها والوقوف على نتائجها، التي تتهدد التعافي الاقتصادي الذي ابتدأ لتوه بعد سنتين من التراجع بالقيمة الحقيقية. فاستمرار الأداء السلبي للأسهم قد يفقدنا حتى هذا النمو المتواضع الذي بدأ بالظهور بتأثير ظروف إقليمية وفرت للإمارات فرصة ايجابية دفعت نحو تحسن السياحة والتجارة الخارجية والداخلية وتجارة إعادة التصدير وأسهمت إلى حد ما بتراجع سعر الفائدة بين البنوك العاملة في الدولة (الإيبور) كأحد مظاهر تحسن السيولة والتي نجمت أيضا عن نمو ودائع المقيمين الذين تحسنت مداخيل معظمهم بسبب تحسن السياحة والتجارة.
تراجع غير منسجم
وقال الدكتور الشمّاع: لقد تعرضت أسواق الأسهم الأسبوع الماضي لموجة تسييل غير منسجمة مع التوقعات الايجابية التي يخلقها احتمال ضم أسواق الإمارات إلى مؤشر مورجان ستانلي وغير منسجمة مع التحسن في مستويات السيولة (رغم استمرار تشدد المصارف). هذا السلوك الجمعي بالخروج من الأسواق والتسبيل غير المبرر تكرر خمس مرات على مدى السنتين الماضيتين وشكل وسيظل يشكل عاملاً نفسياً يدفع إلى استمرار تناقص أعداد المستثمرين في الأسواق بسبب ما أصابهم ويصيبهم من إحباط نفسي وخسائر متكررة على مدى السنوات الماضية. فمنذ بداية ارتداد السوق من القاع، الذي هبطت إليه في العام 2009، تعرضت أسواق الإمارات لخمس انتكاسات قوية كان آخرها انتكاسة الأسبوع المنصرم، والذي تراجع خلاله المؤشر العام لسوق الإمارات للأوراق المالية بنسبة 2.26% وسوق دبي بنسبة 3.1 % فيما لم تتراجع اي سوق خليجية بهذا القدر باستثناء قطر التي كانت قد حققت ارتفاعات هائلة مكنتها من تعويض خسائر الأزمة المالية برمتها. وحتى الأسواق الأوروبية التي يفترض أن تكون وراء التراجع الجماعي للأسواق يوم الاثنين فإنها أكتفت بتراجعات اقل من تراجع سوق دبي الذي وصل إلى 3.1%. وأضاف: خلال سلسلة الانتكاسات التي تعرضت لها أسواق الإمارات لم تتعرض الأسواق الأميركية سوى إلى تراجع واحد حاد منذ بدء ارتدادها عن القاع في بداية 2009. بالإضافة لذلك فإن الانتكاسات التي تعرضت لها أسواق الإمارات كانت تجري داخل نفق يميل للهبوط فيما تسير أسواق العالم وبالذات الولايات المتحدة في نفق صاعد.
نتائج سلبية
وتابع الدكتور الشمّاع قائلاً: هذه الحالة لها نتائجها النفسية على الأسواق، فقد أصاب جميع المستثمرين الذين هم في غالبيتهم العظمى افراد، نوع من الإحباط وحالة قريبة من الياس جعلت السواد الاعظم منهم يتركون الأسواق وينسون ان لديهم اسهماً فيها وخصوصا من صغار المستثمرين. أما كبار المستثمرين الذين لديهم أموال كبيرة عالقة في الأسواق، فقد كفوا عن إضافة أية سيولة جديدة إليها بل على العكس، فإنهم يسحبون سيولة منها كلما ارتفعت بعض الأسهم إلى مستويات الكلفة أو حتى إلى مستويات قريبة من الكلفة.
وأضاف: في الواقع، المبرر الوحيد لهذا التراجع القوي هو حالة فقدان الثقة والإحباط التي أصابت المستثمرين نتيجة للانتكاسات المتكررة التي تعرضت لها الأسواق خلال السنة ونصف الماضية والتي أرهقت كاهل المستثمرين وكبدتهم خسائر متلاحقة. وتؤكد تراجعات الأسبوع المنصرم حقيقة أن أسواق الأسهم، التي ترتبط بعلاقة سببية قوية بأوضاع قطاع العقار المتراجع من حيث الأسعار والمبيعات، لا تعكس حاليا وضع التعافي الاقتصادي الذي بدأ بالظهور منذ مطلع العام الحالي في معظم القطاعات السلعية والخدمية. وقد اشرنا مرارا إلى حقيقة أن مستثمري العقار هم أنفسهم مستثمرو الأسهم وأن تزامن تراجع العقار والأسهم في ظل تراجع الإقراض المصرفي يشكل جوهر المشكلة. حيث أن توقف المصارف عن الإقراض أدى إلى انقطاع دورة السيولة خصوصا للقطاع الخاص. الذي تحولت قروضه إلى سالبة في العامين 2009 و 2010، حيث كانت سالبة بمقدار 23.7 مليار درهم و25.8 مليار درهم على التوالي.
سلبيات الإقراض المصرفي
ويعني ما سبق أن القطاع الخاص الذي كان يحظى بقروض هائلة، بلغت في الأعوام 2006 و2007 و2008 إلى 48.4 و134 و184.7 مليار درهم على التوالي، قد سدد في عامي الأزمة قرابة ال50 مليار درهم من ديونه للمصارف بالإضافة إلى الفوائد المستحقة عليه والتي تقدر ب42.5 مليار درهم في 2008 و 40.8 مليار درهم في 2009 ليكون مجموع ما خرج من تدفقات نقدية من القطاع الخاص إلى المصارف خلال عامي 2008 و2009 حوالي 132.6 مليار درهم. وعند هذا الرقم ينطبق المثل القائل (إذا عُرف السبب بطُل العجب). فالتدفقات النقدية الخارجة من القطاع الخاص شكلت في عام 2009 ما نسبته 16.3% من قيمة مساهمته في الناتج المحلي من دون نفط وقرابة 13% من إجمالي فائض العمليات (أي الأرباح المتحققة في الاقتصاد مضافا إليها عوائد الإيجارات والفوائد المدفوعة) من دون النفط لكل الاقتصاد والوطني. والتي إذا ما استبعدنا منها حصة القطاع العام والحكومي وكذلك أرباح المصارف والفوائد التي حصلت عليها لشكلت التدفقات النقدية الخارجة من القطاع الخاص ربما أكثر من 50% من فائض عمليات القطاع الخاص. وفي عام 2010 شكلت التدفقات الخارجة نسبة 11.4% من فائض العمليات. ومما تقدم يتبين أن الإقراض المصرفي قد أفرغ الجيوب من المال وعرض الأصول للتراجع وأصبح السعي للحصول على السيولة من اي مصدر هو ديدن عالم الأعمال وخصوصا المدينين الذين يتوجب عليهم التسديد للمصارف.
نتائج تراجع الإقراض
بالاستناد إلى آخر البيانات التي أصدرها المركز الوطني للإحصاء والبيانات الواردة في تقرير صندوق النقد الدولي الأخير فإن اقتصاد الإمارات قد تراجع بمعيار معدل النمو للعام 2009 بمقدار 5% فيما حافظت دول مجلس التعاون ككل على معدل نمو طفيف في 2009 وعلى معدل نمو أعلى من معدل نمو الإمارات في 2010.
إلا أن البيانات الجديدة للمركز الوطني للإحصاء أشارات إلى تراجع النمو الحقيقي بدون النفط (بالأسعار الثابتة للعام 2007) بنسبة تزيد على 4% في 2009 وتقل عن 1% في 2010 حيث ان التراجع حدث في القطاع الخاص وليس في القطاع العام والحكومي. وذلك بسب تراجع الإقراض المصرفي وتحوله الى سالب وارتفاع قيمة التدفقات النقدية الخارجة من هذا القطاع.
