الأصل في التزين عند المسلمين أن يكون ذلك فعلا تعبديا تريد منه الزوجة ـ مثلا ـ أن تتجمل لزوجها، وأن تجعل من ذلك وسيلة إلى زيادة المودة والعاطفة بينها وبينه، وهو أمر تعبدي لأن فيه طاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، من حيث بناء الأسرة المسلمة السليمة والصحيحة، والقائمة على المودة والرحمة والتفاهم، وأن يقدم كل طرف للآخر من نفسه وعاطفته وقته، ولكن الملاحظ - بحسب الواقع الحالي - أن التزين بات غاية في ذاته، وأنه انفلت من عقاله، ومن ضوابطه الشرعية، فبات بعض النساء يتزين من أجل زيادة مظاهر الإغراء وإبرازها في الشارع للعلن، وأمام الأجانب.
وهذا يتعارض مع الغاية الشرعية من الزينة والتزين. في ضوء هذا الواقع تخرج عبادة التزين عن مسارها الشرعي، وتتحول إلى معصية، ينتج عنها ارتدادات سلبية على مستوى العلاقة الزوجية، وعلى السكينة والمودة والرحمة التي هي أصول العلاقة الزوجية.
أمام هذا الواقع يبرز تساؤل شرعي ملح هو: ما حكم ذهاب المرأة إلى مراكز التجميل، وبالتالي وضع نفسها بين يدي العاملات، إذا كان الغرض من ذلك هو الخروج في الشارع بمظاهر فاتنة ومغرية؟
يجمع العلماء في هذا الصدد على أن ذهاب المرأة للكوافير من أجل التزين وإظهار محاسنها أمام الرجال من الأمور المحرمة شرعًا، فيما يرى بعضهم أن الدين لم يحرم أن تظهر المرأة بمظهر جميل ولكن شرط أن يكون ذلك لزوجها وفي المنزل حصرا.
وفي جولة داخل أحد مراكز التجميل، أكدت نادية أبو اليزيد صاحبة محل كوافير في منطقة المهندسين في العاصمة المصرية القاهرة، أنها تعمل على توفير المناخ المناسب للزائرين وفقًا للعادات والتقاليد الاجتماعية، حيث إن كل العاملات عندها من النساء ذوات الأخلاق الحميدة اللواتي يراعين في عملهن الحفاظ على خصوصية الزائرات.
أبو اليزيد أضافت أنه بالرغم من قدم ظاهرة محال مراكز التجميل، إلا أن السنوات الماضية شهدت اهتمامًا بها بصورةٍ كبيرةٍ وإنشاء مراكز متخصصةٍ للتجميل مع ظهور الجديد كل يوم في أدوات التجميل التي يقدم عليها الكثيرات من النساء، اللواتي يبحثن عن إشراقة، ومسحة جمال إضافية تلبي رغباتهن في التزين.
فيما ترى رباب مصطفى/ مدرسة أنها عادة ما تذهب إلى الكوافير من أجل الاهتمام بوجهها فقط، أما بخصوص الشعر، فإن لها رأيها الذي تقول فيه كشف الشعر للرجال الأجانب لا يجوز شرعا، وأنها تهتم بشعرها في البيت، وتنوع في أساليب تصفيفه.
أما مي أحمد فلا ترى أن الذهاب للكوافير وصباغة الشعر أو الاهتمام بأدوات التجميل من الأمور المخالفة لعادات وتقاليد مجتمعنا ما دام أن ذلك يتم في أماكن مغلقة وأن العاملات داخل هذه المراكز من ذوات الأخلاق الحسنة اللواتي يراعين خصوصية المرأة.
قول العلماء
علماء الشريعة الإسلامية يعتبرون أن تزين المرأة يجب أن يتم لزوجها فقط وأن تزينها في الشارع هو نوع من أنواع التبرج، حيث أكد الدكتور نصر فريد واصل ـ مفتي مصر الأسبق ـ أن الإسلام اشترط أن يكون تزين المرأة لزوجها وفي المنزل، حيث قال الله تعالى في كتابه في سورة المؤمنون "قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون" (المؤمنون: 1-7)، مضيفًا أن التبرج ليس من القضايا الحديثة على مجتمعنا العربي ولكن من القضايا القديمة التي ترجع إلى الأصول اليهودية وعلى الرغم من قدمها إلا أن ما يشهده الشارع يومًا بعد آخر يؤكد خطورة ذلك على الأسرة وعلى المجتمع بنفس الأهمية.
أما الدكتور محمد الشحات الجندي ـ أستاذ الشريعة في جامعة حلوان وعضو مجمع البحوث الإسلامية ـ أكد أنه لا مانع من أن تذهب المرأة إلى مراكز التجميل من أجل التزين لزوجها أو الذهاب من أجل إزالة بعض المشاكل التي تقوم بها هذه المراكز ولكن دون التدخل في أساسيات خلق الله سبحانه وتعالى.
واشترط الجندي أن تكون في مراكز التجميل عاملات من صاحبات الأخلاق الجيدة.
ضوابط
فيما أشارت الدكتورة آمنة نصير ـ أستاذ العقيدة والفلسفة والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإنسانية ـ إلى أنه لا مانع من أن تذهب المرأة إلى مركز التجميل من أجل التزين وقص الشعر وخلافه طالما أن مثل هذه الأمور لا تغير من خلق الله سبحانه وتعالى لها.
وأضافت أن الدين الإسلامي مثلما يأمر بالطهارة في سائر أوجهها من بدن وثياب ومكان، كذلك فإنه يحث على النظافة والتزين سواء من قبل المرأة للرجل أو العكس، ومن دلائل ذلك قول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ حينما قال "والله إني لأحب أن أتزين لزوجتي كما أحب أن تتزين لي"، وهو دليل على أن الإسلام يحث الزوجة على التزين لزوجها وأن تظهر بالصورة الجميلة التي يحب الزوج أن يرى فيها زوجته؛ لأن مثل هذه الأمور تجعل هناك حالة من استمرارية الزواج والشعور بالسعادة، وتقرب قلب الزوجين إلى بعضهما، وهو مقصد شرعي عظيم.
ولكن نصير قالت إن ذلك لا يمنع أن نؤكد أن هناك ضوابط وضعها الدين في تزين المرأة، ومنها أن يكون الهدف من ذلك التقرب من الزوج وليس أن يتم إظهار ذلك للغرباء، وكذلك أيضا يجب أن يتم التعامل مع محال الكوافير العاملة فيها نساء يمتلك الصفات الأخلاقية التي توفر للزائرات الحصول على قدر كاف من الاحتفاظ بخصوصياتهن.
مشاكل خطيرة
ومن ناحيتهم ينظر علماء الاجتماع إلى القضية من منظور اجتماعي صرف، ويعالجون وفق الظواهر الاجتماعية التي تعرض لهم نتيجة هذه الظاهرة، وبالتالي، وفي ضوء ذلك فهم يرون أن المغالاة في تزين المرأة في الشارع يؤدي إلى العديد من المشاكل الاجتماعية الخطيرة مثل زيادة أعمال التحرش الجنسي والمعاكسات.
حيث ترى الدكتورة نادية عبد العظيم ـ أستاذ علم الاجتماع ـ أن من الواضح أن المجتمع يعاني العديد من المشاكل بسبب التخلي عن العادات والتقاليد التي نشأ عليها، ومن هذه المتغيرات عدم احترام المرأة للأعراف العامة عند نزولها للشارع في تزينها الشديد وجذب الانتباه لها، مما أدى إلى زيادة أعمال التحرش الجنسي وارتفاع معدلات الجريمة كاختطاف الفتيات وعمليات الاغتصاب التي تشهد تزايدًا في شوارعنا.



