تنتشر ظاهرة تعدد الزوجات بشكل واضح في المجتمعات العربية، على الرغم مما تفرزه تلك الظاهرة - أحياناً - من بعض المشاكل الاجتماعية والأسرية. وبناء على ذلك تنشأ أسئلة، قد توفر الإجابة عليها فرصة لإيجاد الحلول اللازمة للتعامل مع هذه الظاهرة، ومن تلك الأسئلة: هل يتزوج الرجل إرضاء لنزواته ورغبته في أكثر من امرأة مستنداً في ذلك إلى التشريع الإسلامي الذي يحلل تعدد الزوجات، أم أن المرأة التي تقوم بتضييق الخناق على زوجها، وتحاول حرمانه من صلاحياته كرجل وحقوقه، هي السبب وراء انتشار تلك الظاهرة؟.

أسئلة حاولت "البيان" طرح إجابات عليها من خلال محاورة مجموعة من الخبراء ورجال الدين واستمزاج آرائهم في الموضوع.

أوضحت د. سعاد صالح، عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أن الإسلام أحل تعدد الزوجات بشروط، أبرزها العدل بين الزوجات وبين أبنائهم، من حيث توفير السكن المناسب لهم، والمأكل والمشرب وغيره، مستنكرة في السياق ذاته استغلال بعض الرجال لإشكالية العنوسة التي تعانيها المجتمعات العربية بشكل عام للزواج من أكثر من امرأة، خاصة وأن هناك محددات دينية للتعدد.

أهمية العدل

وأشارت د. صالح إلى أن القرآن الكريم وفي أكثر من آية عالج مسألة تعدد الزوجات، ومنها قوله سبحانه وتعالى: {وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} (النساء: 3)، وقوله: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}، وقوله أيضا {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما}(النساء: 129).

واتفق الشيخ جمال قطب، الرئيس السابق للجنة الفتوى في الأزهر الشريف، مع الرأي السابق، موضحا أن تعدد الزوجات "حلال شرعا" لكن في حدود العدل بين كل زوجة، واستطاعة الزوج المادية والجسدية على الوفاء بالتزاماته معهن، مشيرا إلى أنه من حق المرأة أن تطلب الطلاق أو تسمح بوجود زوجة ثانية في حالة رغبة الزوج في الارتباط بأخرى، فالإسلام لا يفرض وضعا بعينه أمام الزوجة. ومن الناحية الاجتماعية تحدثت د. إجلال حلمي، أستاذ علم الاجتماع الأسري في جامعة عين شمس، فأوضحت أن تعدد الزوجات من الناحية الدينية "مباح"، ولا يمكن الحديث عنه أو عن تحريمه.

أسباب مختلفة

أما من جهة الناحية الاجتماعية، فأشارت إلى أن الرجل يلجأ إلى الزواج من أكثر من امرأة لأسباب عدة، منها ما قد يكون مقبولاً كأن تكون المرأة عاقرا أو مريضة، ومنها ما قد يكون غير مقبول، كأن يتزوجها؛ لأنها "ثرية" أو "صغيرة في السن"، وهي أسباب غير أخلاقية، يقع فيها كثير من الرجال.

وأكدت أن الرجل يلجأ إلى الزواج من امرأة أخرى؛ لأن الرجل لديه احتياجات بيولوجية أقوى، فهناك بعض الرجال الذين لا تكفيهم امرأة واحدة لسد رغباتهم الجنسية. أضافت أستاذ علم الاجتماع أنه في الوقت ذاته وفي أحيان كثيرة تكون المرأة هي السبب لدفع زوجها إلى الزواج من أخرى، تعويضا للنقص الموجود فيها على سبيل المثال، وخاصة أن هناك الكثير من الصفات الموجودة في المرأة التي قد يكرهها الرجل، بل وتجعله يلجأ إلى امرأة أخرى، بحثا فيها عن الصفات والممارسات التي تفتقدها زوجته.

الغيرة المرضية

وأوضحت د. إجلال فهمي، قائلة: من ضمن هذه الصفات "الغيرة المرضية" عند بعض الزوجات، والتي تجعل الرجل يهرب منها، ويتجه إلى الزواج بأخرى، كما أن "المرأة النكدية" تدفع الزوج إلى نفس الطريق، مشيرة إلى أنه ليس في كل الحالات تكون المرأة هي السبب والمتهم، لكن في أحيان كثيرة تكون الزوجات غاية في الجمال والأخلاق والأدب والمرح، لكنها تفاجأ بأن رجلها يتزوج من امرأة أخرى، وذلك يعود إلى أن بعض الرجال "لا تكفيهم امرأة واحدة". تابعت: تعدد الزوجات منتشر بصورة أكبر في دول الخليج العربي، وأصبحت هذه الفكرة مقبولة لدى الأبناء داخل المنزل هناك، لكن في المجتمع المصري، فإن تعدد الزوجات لم يلق نفس الرواج الذي نجده في دول الخليج العربي، وكذلك فإن الزوجة المصرية مازالت ترفض فكرة تعدد الزوجات، وأحيانًا تطلب الطلاق.

وخاصة أن المجتمع غير مرحّب به. من جانبها، أشارت د. نهلة ناجي، أستاذ الطب النفسي في جامعة عين شمس، إلى أن ظاهرة تعدد الزوجات موجودة منذ فترة في المجتمعات العربية، لكن هذه الظاهرة ازدادت في السنوات العشر الأخيرة، لأسباب متعددة، أبرزها تحسن الحالة الاقتصادية في دول الخليج، بما يسمح للرجل بتحمل تكلفة الإنفاق على أكثر من أسرة. وفي مصر، فإن سفر المصريين للعمل في الخليج العربي عمل على تحسين ملاءتهم المالية، وتحمل نفقات التزوج من أكثر من امرأة.

وأشارت ناجي إلى أن فكرة التعدد مرفوضة وغير مقبولة اجتماعيا، رغم أنها مقبولة من الناحية الدينية، مشيرة إلى أن انتشار تلك الظاهرة مسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة.

فضلاً عن أن ارتفاع مشكلة العنوسة وانتشارها أسهما أيضا في تعزيز ظاهرة تعدد الزوجات. وعبر محمد طاهر (محاسب - 30 عاما) عن رأيه في ظاهرة تعدد الزوجات فقال: أنا ضد الفكرة، إلا في حال وجود علل معينة في الزوجة، والتي تختلف حسب حالة كل شخص، وعلى سبيل المثال عندما تكون الزوجة غير قادرة على الإنجاب أو أن تكون مريضة، وهنا من الممكن أن يتزوج الرجل من امرأة ثانية، إلا أن طاهر أكد - في النهاية - أن ظاهرة تعدد الزوجات تؤثر بالسلب في الأسرة والمجتمع . بينما يرى أحمد سمير، (موظف - 46 سنة) أن فكرة تعدد الزوجات فكرة مشروعة لا جدال في مشروعيتها، ولا يمكن ربطها بقيود، والعدل بين الزوجات هو الأساس، وفقا لما تقره الشريعة الإسلامية، قائلاً "أنا شخصيا لا أحبذ التعدد، لكن الشرع يبيح تعدد الزوجات، وما يبيحه الشرع لا يمكن أن نرفضه".

نسخ

 

علّق الإمام القرطبي على الآية بشيء من التفصيل في تأويله لها، ومما جاء في كلامه رحمه الله تبارك وتعالى أنها نسخت ما كان عليه الناس في الجاهلية، فقال: "وإن خفتم" شرط، وجوابه "فانكحوا". أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفي النفقة عليهن "فانكحوا ما طاب لكم" أي غيرهن. وقال الضحاك والحسن وغيرهما: إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام؛ من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فقصرتهن الآية على أربع.

وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما: المعنى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء؛ لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء و"تقسطوا" معناه تعدلوا. يقال: أقسط الرجل إذا عدل. وقسط إذا جار وظلم صاحبه.

قال الله تعالى: "وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا" [الجن: 15] يعني الجائرون. وقال عليه السلام: (المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة) يعني العادلين. وقرأ ابن وثاب والنخعي "تقسطوا" بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة "لا" كأنه قال: وإن خفتم أن تجوروا.