"وجد الفأر ثقبا صغيرا في قرعة داخل الحقل وبما انه جائع ونحيل جدا تمكن من العبور داخل القرعة ووجد فيها طعاما شهيا، مرت الأيام وهو يأكل منها بنهم حتى ان حجمه أصبح ضخما وكبيرا، ولم يعد يتمكن من الخروج من الثقب الصغير الذي دخل منه خاصة وان قشرتها أصبحت قاسية جدا، ولما انتهى من أكل ما بداخلها ولم يبق شيئا يأكله، بدأ في الدوران داخلها عسى ان يتمكن من الفرار لكن دون جدوى، ومرت الأيام وبدأت صحة الفأر في التدهور والانكماش الى ان عاد حجم جسمه نحيلا جدا عندها خرج من الفتحة الصغيرة كما دخلها"
عندما روى لي العم ابو شادي هذه القصة تذكرت القصة التالية:
فادي جاء يبحث عن عمل فهو فقير الحال نحيل الجسم، وتمكن من ايجاد فرصة عمل في شركة الحاج محمود، وبجده والتزامه تمكن من كسب ود الحاج ، وتمت ترقيته ليكون مسؤول المشتريات، ومتابعة الأعمال الخاصة التي يكلفه فيها خارج مهام الشركة.
بدأ يقبض العمولات على المشتريات ويزور الفواتير وأخذ الرشاوى مقابل الغض عن المواصفات المطلوبة للبضائع وهكذا دخل في دوامة المال الحرام.
دعوات العشاء في افخر المطاعم والسهرات في النوادي الليلية جعلته يدخل عالما آخر، تحول من تدخين السجائر الى السيجار.
بدأ الهمس بين موظفي الشركة والسؤال عن تغيير حال فادي خلال فترة قصيرة، باع سيارته القديمة واشترى سيارة جديدة، انتقل من سكنه في غرفة صغيرة الى شقة فاخرة، هذا الانتقال السريع في مظهره ونمط حياته أثار تساؤلات عديدة عند زملائه في الشركة.
بدأ فادي يتأخر صباحا على الدوام، وعندما يحضر يكون غير صاح ، عيونه حمراء اللون، وكم من الأيام تابع نومه في المكتب لأنه عاد الى شقته فجرا.
بما ان وزنه زاد كثيرا وجب عليه شراء ملابس بمقاسات أكبر، وأصيب بالغرور ولم يعد يتحدث مع زملائه الموظفين وطلب من الحاج توظيف سكرتيرة له، لأنه يغيب كثيرا عن المكتب بسبب انشغاله مع العملاء خارج الشركة.
لبى صاحب الشركة طلبه وتم تعيين سكرتيرة له، اطمأن فادي انها سوف ترد على جميع الاتصالات الواردة الى مكتبه.
وصل الحاج الى الشركة ذات صباح باكر يرافقه مدقق الحسابات، وسأل عن فادي ، سارعت السكرتيرة بالاتصال معه تعلمه بأن الحاج بانتظاره في الشركة.
لم يدر كيف يصل الى مكتبه لأنه كان سهرانا حتى الفجر، ارتدى ملابسه بسرعة وركب سيارته مسرعا للقاء الحاج.
دخل الى مكتبه سائلا السكرتيرة هل يوجد احد مع الحاج؟
ـ انه جالس مع مدقق الحسابات.
ارتبك فادي وبدأ يفكر هل الحاج كشف أمره؟ هل أحد العملاء نقل معلومات عن خيانته لمكان عمله؟ هل مدقق الحسابات كشف تلاعبه بالفواتير..
دخل الى مكتب صاحب الشركة وعلامات الخوف على وجهه.
قال الحاج : أعرفك على مدقق الحسابات ويقول ان هناك ملاحظات حول الفواتير اجلس معه واجبه على كل استفساراته.
ـ حاضر .. حاضر كل شيء واضح والفواتير كلها صحيحة .
لكن مدقق الحسابات اجابه ان أخطاء عديدة مرتكبة ويجب توضيحها.
ارتجف صوت فادي وهو يتحدث وتلعثم قائلا: تفضل الى مكتبي وسنسوي كل الأخطاء.
بعد ان شرح المدقق كل ما لديه من ملاحظات وكشفه لفواتير مزورة، قال فادي:
من الآخر.. قل لي ماذا تريد لتسوية هذه الأمور بيننا، وأنا جاهز لأدفع لك ما تطلبه.
ـ لكن الفروقات كبيرة وبمئات الالوف، وهذا لا يمكن السكوت عنه. عليك احضار فواتير صحيحة لتسوية الموضوع. وقد شرحت ذلك للحاج.
ـ هل عرف الحاج بهذه الأمور؟
ـ نعم وهذه مهمتي.
ـ أرجوك كيف يمكن مساعدتي؟
ـ عليك مواجهة الحقيقة وتسديد كل الفروقات المالية.
في هذه الأثناء كان الحاج قد اتصل برجال الأمن الذين حضروا الى الشركة للتحقيق مع فادي الذي سرعان ما اعترف بأخطائه وطمعه، ولعن الشيطان الذي وسوس له للمضي في هذا الطريق.
أمضى عقوبة في السجن لخيانته الأمانة وطمعه في مال الآخرين، ولم يزره احد في سجنه، فقد تدهورت صحته وأصبح نحيفا جدا، وبعد انتهاء مدة حكمه، خرج
من السجن ليجد قرار التسفير أمامه، وقد عاد الى بلده كما جاء فقيرا ونحيلا.
