يحمد سعيد عبد الله الجنيبي ربه أن مد في عمره (83 عاماً) ليرى ثمار غرس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أمام عينيه كل يوم متمثلاً في دولة فتية حققت معجزات تنموية غير مسبوقة، وحياة رفاهية يرفل فيها المواطنون، وكان سعيد يشغل مدير المدارس العسكرية سابقاً، وأول مستثمر مواطن في التعليم الخاص في أبوظبي، مؤكداً أن تجربة زايد في بناء الإنسان ملهمة لكل حكام العالم لقرون عديدة.

بناء المواطن

يجزم سعيد عبد الله الجنيبي بأن حجر الزاوية الرئيسي في نجاح تجربة الشيخ زايد، طيب الله ثراه، هو إعطاؤه الأولوية القصوى لقضية بناء وتعليم المواطن بناءً دينياً وخلقياً وجسدياً وإنسانياً باعتبارها هي أم القضايا الجوهرية في بناء الأمم والحضارات، ولذلك ستظل تجربة الشيخ زايد ملهمة لجميع الحكام في مشارق الأرض ومغاربها لقرون طويلة، كما شهد بذلك مؤرخون وكتاب أجانب وعرب.

يعود سعيد عبد الله الجنيبي بذاكرته لنحو نصف قرن من الزمان حينما تم ابتعاثه من أبوظبي إلى الكويت للالتحاق بمعهد المعلمين لعدم وجود مدارس عليا في أبوظبي، كما أن أساسيات الحياة الكريمة لم تكن متوفرة، مؤكداً أنه في نهاية آخر سنوات دراسته فوجئ بالشيخ زايد يصل إلى الكويت ويطلب لقاءً مع الطلبة المواطنين الذين يدرسون في المعهد، وعندما التقى بهم أكد لهم أنه بحاجة شديدة إلى كل واحد منهم لبناء الدولة الجديدة، وأنه لا يريد لأي مبتعث البقاء خارج الدولة وأن عليهم أن يعودوا لبلدهم ليبنوها بأيديهم، ويومها أكد لهم أن ملحمة بناء الدولة قد بدأت ولا يجوز التأخير.

يقول سعيد عبد الله الجنيبي: «حديث الشيخ زايد هزنا بصورة قوية وبعث فينا روح التحدي وعلى الفور لبّينا الطلب وعدنا إلى أبوظبي، وبعد فترة قليلة التحقت بالقوات المسلحة وتم تعييني مديراً للمدارس العسكرية، على رأس مهامي نشر فكرة المدارس العسكرية على مستوى الدولة، وفي غضون سنوات قليلة بدأنا نحقق ما وعدنا به الشيخ زايد فأسسنا 13 مدرسة عسكرية في الإمارات منها مدرسة أبو عبيدة في منطقة معسكر آل نهيان في مدينة أبوظبي ومدرسة ثانية في مدينة زايد ومدرسة ثالثة في غياثي بالمنطقة الغربية ومدارس في العين والشارقة وعجمان، وكانت هذه المدارس تستقبل أفضل الطلبة المواطنين وتخرج فيها أكثر من 5 آلاف طالب، منهم 5 طلاب على الأقل تولوا حقائب وزارية لاحقاً مثل معالي ركاض العامري ومعالي علي الكعبي كما تخرج منها الكثير من قادة القوات المسلحة والسفراء والملحقين العسكريين.

أجيال المستقبل

يؤكد سعيد الجنيبي أن الشيخ زايد، طيب الله ثراه، كان معجباً أشد الإعجاب بالمدارس العسكرية ودائماً كان يقول لنا: إن هدفنا لا بد أن يتركز في بناء أجيال جديدة مؤمنة بدينها الحنيف وبقيم وتقاليد آبائها وأجدادها ويذكرنا دائماً بضرورة أن تسير التربية الأخلاقية للطلبة بجوار التربية الجسدية للطلبة ويحثنا على غرس أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الطلبة، ويشدد علينا أن ننمي حب الوطن لدى الطلبة ونؤكد لهم أن مسؤولياتهم كبيرة باعتبارهم هم حماة الوطن والمدافعين عن أرضه، وكان يتابع معنا بدقة تفاصيل البرامج التربوية والأخلاقية والجسدية التي ندرسها في هذه المدارس، وكان يسألنا عنها دائماً وكنا نتساءل كيف يتذكر الشيخ زايد ما تحدثنا معه من سنوات وهو رجل الدولة صاحب المشاغل الكثيرة، وكانت سعادتنا تبلغ منتهاها ونحن نسمع منه شكراً وتقديراً لنا ولطلبتنا، ولا ننسى أنه كان يشكرنا كثيراً لو وجد ما طلبه خلال زياراته على أرض الواقع وكانت السعادة تغمره.

يتذكر سعيد الجنيبي أن الشيخ زايد على مدار عشرات السنين كان يحرص على حضور حفلات التخرج السنوية لطلبة المدارس العسكرية، وكانت الفرحة تملأ وجهه وقلبه وهو يرى عروض الطلبة أمامه وهم يقومون بفك وتركيب الأسلحة وركوب الخيل وتلاوة ما حفظوه من أشعار تمجد حب الوطن، وبسبب حبه لهذه المدارس العسكرية وطلبتها كان يطلب منا التوسع فيها.

ولا ينسى سعيد عبد الله الجنيبي زيارة للشيخ زايد لإحدى المدارس العسكرية ويومها طلب تنظيم حفل لكل المدارس ليرى كل طلبتها وحدد الحفل بعد يومين، وبالطبع كان تنظيم الحفل أمراً صعباً جداً، وبعد لحظات من مغادرته المدرسة فوجئت برئيس الأركان يسألني هل أنت مستعد فقلت له نعم وسأنفذ، وبعد ساعات قليلة أرسل لنا رئيس الأركان جنوداً من سلاح المهندسين والمستودعات والإشارة وخلال يومين نظمنا الحفل وأعجب به الشيخ زايد إعجاباً كبيراً وكان دائماً يؤكد لنا أنتم أبنائي في القوات المسلحة لا بد أن تكونوا جاهزين دوماً، وكانت كلماته رحمه الله دافعاً قوياً أن نبدع ونكون عند حسن ظنه بنا.

سرعة الإنجاز

يتوقف سعيد الجنيبي قليلاً ليتذكر حفلاً أقامته المدارس العسكرية في منطقة الوقن التي تبعد عن مدينة العين بنحو 150 كيلو حضره الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان وبعد انتهاء الحفل أمر الشيخ زايد ببناء مدرسة عسكرية في موقع الحفل وعلى التو اتفقنا مع قائد الأركان على نصب خيام على هيئة فصول يتم التدريس فيها على أن تقوم القوات المسلحة ببناء المدرسة، وفور إنجاز المبنى ينتقل الطلبة للمبنى على أن يؤدوا فيه امتحانات نهاية العام، وبالفعل كثفنا التدريس للطلبة في الخيام إلى أن تم إنجاز المبنى قبيل نهاية العام وأدى فيه الطلبة الامتحانات النهائية دون تأخير وأثبتوا تفوقاً كبيراً مقارنة بالمدارس الأخرى.

يواصل قائلاً: «زايد غرس فينا حبه وحب تنفيذ أوامره لأنها كانت أوامر لبناء المواطن والوطن وكنا نسارع الزمن لإنجاز ما يطلبه، وهو رحمه الله كان قدوة لي، ولا أنسى في يوم صيف شديد الحر بأبوظبي رأيته رحمه الله يسير في شوارع أبوظبي يتفقد الطرق الجديدة والعرق يتصبب على جبينه، ويتابع تفاصيل مشاريع الطرق ويقضي الساعات في ذلك دون كلل».

يتنهد سعيد الجنيبي ويصمت قليلاً ثم يواصل «أكثر من أربعين سنة عشتها بجوار قائد استثنائي لم يوجد مثله في كثير من الدول، كنا عندما نسمعه يتكلم عن مستقبل الإمارات وحياة الرفاهية المتوقعة لا نتوقع أن يحدث ذلك في غضون سنوات قليلة، لكن تمر السنون وتثبت الأيام صحة كل ما قاله زايد لنا بسبب خبرته وحنكته وحبه للوطن وأهله».

ويروي سعيد الجنيبي قصة تبرهن مدى اهتمام الشيخ زايد بتعليم أبناء القوات المسلحة المجندين، مشيراً إلى أنه خلال زياراته للوحدات العسكرية رأى مجندين أميين فأمر بضرورة محو أمية هؤلاء الجنود وعلى الفور أسسنا ثلاثين مركزاً لمحو الأمية وتعليم الكبار في جميع الوحدات الرئيسية في أبوظبي والشارقة والعين وبنهاية السبعينات كنا قد محونا أمية أكثر من 90% من المجندين في القوات المسلحة، وكان رحمه الله يسأل عن هذه المراكز ويطلب منا تحديد احتياجاتها لتلبيتها.

لقاءات مستمرة

ويؤكد سعيد الجنيبي أن الشيخ زايد، طيب الله ثراه، كان حريصاً على متابعة خريجي المدارس العسكرية ويحثهم على الالتحاق بكلية القيادة والأركان، ويأمر بابتعاثهم للخارج لمواصلة دراساتهم ويحثهم على الالتحاق بالدورات التدريبية التخصصية، كما كان يحرص على لقاء الطلبة المبتعثين للخارج أثناء زيارته للدولة التي يتعلمون فيها، وكان دائماً يقول لنا هؤلاء الطلبة أذكياء ويثبتون كفاءة كبيرة في الخارج وعليهم أن يتعلموا من الآخرين لأنهم عندما يعودون للبلاد ستكون مسؤوليتهم كبيرة جداً وهذا ما حدث اليوم، حيث إن العديد من كبار قادة القوات المسلحة والسفراء والملحقين العسكريين من طلبة هذه المدارس.

ويلفت سعيد عبد الله الجنيبي انتباهنا إلى أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، نسخة طبق الأصل من والده في فلسفته في بناء المواطن ودعم تعليمه، ودائماً كان يوصينا ويوصي أولادنا بالوصول إلى أعلى درجات التعليم وتسخير ذلك العلم في نهضة البلاد، وكان سموه يزورنا دائماً ويسأل عن أخبارنا واحتياجاتنا ويشجع أبناءنا كما كان يفعل والده رحمه الله، ويقول لنا دائماً إذا كنتم تحبون الشيخ زايد فأثبتوا أنكم عند حسن ظنه وظننا بكم وعليكم بالاجتهاد والتفاني في حب الوطن والذود عنه.

التعليم الخاص

ومع بداية الثمانينات من القرن الماضي تقاعد سعيد عبد الله الجنيبي من القوات المسلحة وبتشجيع من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، خاض كأول مواطن مجال الاستثمار في التعليم الخاص فأسس مدارس النهضة الخاصة في أبوظبي لتدريس المناهج التعليمية البريطانية والأميركية، والتحق بها أبناء وبنات الشيوخ ولذلك كان تواصله مستمراً مع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، حيث كان يطلب منه تعديل بعض المناهج والمقررات، وكذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان الذي دعم المدرسة كثيراً وكان يحرص على زيارتها وتفقد مبانيها وتجهيزاتها ودائماً كان يحث إدارة المدرسة على الحصول على اعتمادات أكاديمية أجنبية من أميركا وأوروبا، وتميزت المدرسة بأنها أول مدرسة أدخلت الكمبيوتر في الإمارات إضافة إلى أنها تميزت بفصل الطلبة البنين عن البنات في مبان مستقلة وتخرج فيها أكثر من 7 آلاف طالب وطالبة، ويدرس بها حالياً 7600 طالب، كما أن طلبتها كانوا يدخلون جامعات الدولة من دون اختبارات اللغة الإنجليزية، وتتصدر صور وكلمات الشيخ زايد مباني ومداخل المدرسة.

يختتم سعيد عبد الله الجنيبي ذكرياته قائلاً: «الشيخ زايد قائد قل أن يجود التاريخ بمثله وكل من عايشه أو قرأ عنه يدرك ذلك تماماً، وكل الخير الذي نحيا فيه الآن والتقدم الذي تشهده كل إمارة من إماراتنا وحياة الرفاهية التي ننعم بها تعود لزايد الخير الذي عم خيره كل ملايين البشر وبقاع العالم أجمع، وبصماته أراها يومياً في كل مكان في أبوظبي أسير فيه، حيث أتذكره بخير وأترحم عليه وأسأل الله أن يجمعني به في الجنان».