إبراهيم العابد مستشار رئيس المجلس الوطني للإعلام:

الإعـلام في فكر زايد حرٌّ مسؤول وبلا قيود

«الحديث عن موقف المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، من الإعلام والإعلاميين يتجلى فيه عمق الرؤية التي كان يتمتع بها رحمه الله، ووضوح المنطلقات الحضارية التي يتبناها، فكان يؤكد دوماً أن واجب الإعلام والصحف والإذاعة والتليفزيون هو تبيان الأخطاء مهما كان مصدرها، لا أن يكون دورها مقتصراً على المدح وذكر الإيجابيات وهي بلا شك كثيرة، فقد آمن الشيخ زايد بحرية الإعلام ومسؤوليته».. بهذه الكلمات يروي إبراهيم العابد، مستشار رئيس المجلس الوطني للإعلام، أحد أبرز رموز الإعلام الإماراتي قصة المغفور له الشيخ زايد مع الإعلام.

ويقول العابد: «أسهم زايد بعطاءاته في وضع اللبنة الأساسية للإعلام وتطويره، وقد شهدت مواقف لا تنسى خلال رحلتي الطويلة ومتابعتي مسيرة المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وما فيها من الإنجازات التي شكلت علامات فارقة ودروساً لا تزال عالقة في ذهني ولا تفارق خيالي».

حكمة غير عادية

ويضيف العابد: عندما يتكلم الشيخ زايد مع الصحافيين كان يتحدث بحكمة غير عادية وانفتاح كبير.. وأذكر أنه كان على وشك السفر إلى اليابان والصين وإندونيسيا في جولة خارجية في منتصف التسعينيات.. ووجهنا الدعوة إلى عدد من الصحافيين من الدول الثلاث لكي يزوروا الإمارات، ونظمنا لهم برنامجا تعريفياً بأهم المشروعات التي سيتعرفون عليها وكان من بين البرنامج عقد لقاء مع الشيخ زايد طيب الله ثراه..

ويضيف العابد: كما هي عادة الصحافيين كل منهم كان يريد لقاءً حصرياً مع الشيخ زايد، فلم يميلوا الى عقد مؤتمر صحافي لهم جميعاً.. وانما طلب كل صحافي عقد لقاء خاص وحواراً حصرياً مع الشيخ زايد.. واتفقنا معهم أن كل صحافي سيلتقي الشيخ زايد منفرداً ولكن له الحق في توجيه سؤال واحد فقط بخلاف المؤتمر. وحدث أن أحد الصحافيين اليابانيين كان لديه حماسة خلال اللقاء وسأل سؤاله وأجابه الشيخ زايد، ثم أكمل وسأل سؤالاً ثانياً، وعندما حاولت أن أنبه الصحافي الياباني أننا اتفقنا على سؤال واحد فقط.. أشار إليّ بيده لكي أتركه يكمل سؤاله الثاني، وأفهمني أنه لا يريد أن يكون هناك أي قيود على الإعلام.

وأكد العابد أن الشيخ زايد كان يفضّل أن يرى الصحافي الوقائع بنفسه ويعيشها ويشاهد بذاته الإنجازات، وخلال إحدى زيارات زايد لليابان أجرت إعلامية لقاءً معه، وبعد اللقاء قال لها من الأفضل أن تزوري الإمارات لكي تشاهدي بنفسك ما تحقق على أرض الواقع حتى لا يكون حديثي مجرد كلام.

حرية الإعلام

وأضاف العابد أن الشيخ زايد كان يؤمن بحرية الإعلام، ومسؤوليته، وفي إحدى المرات اشتكى مسؤول أن احدى الصحف كتبت انتقادات.. وكان في شدة الغضب، ثم كلم بنفسه الشيخ زايد في الموضوع وعبر له عن غضبه.. وانتظر الشيخ زايد حتى المساء وفي المجلس تحدث أمام الجميع، وقال: إن الاعلام والصحف والإذاعة والتليفزيون واجبها أن تبين أية أخطاء، ليس فقط ان تمدح وتذكر الإيجابيات وهي كثيرة، ولكن مسؤوليتنا أن نبين الأخطاء، وحين نتحدث عن الأخطاء لا ننتقص من قيمة أحد ولا نقلل من إنجازات أي دائرة إنما نريد أن ننبه فعلى الأعلام أن يستمر في هذا الموضوع.

ويشير العابد إلى أن تلك الواقعة تذكر بموقف حدث مع سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي عندما كان وكيلاً لوزارة الإعلام، وكان هناك لقاء مع مندوبي وكالة أنباء الامارات، وقال أحد مندوبي الأخبار إنه يغطي نشاط المجلس الوطني الاتحادي إذا كانت هناك انتقادات للمؤسسات الحكومية لا ننشرها.. وهنا تحدث سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان لأنه يعرف كيف كان نهج الوالد المؤسس، وقال: المجلس الوطني الاتحادي موجود لكي يناقش المؤسسات الحكومية والإدارات والدوائر والجهات وفهم الجميع الرسالة.

ويضيف العابد أن الصحف الإماراتية اليوم تنشر تفاصيل المناقشات في المجلس الوطني بدون قيود ولا شروط، ويتم نشر الجلسات بالتفاصيل.

المناطق الحرة

ويقول العابد: في عهد زايد تم إنشاء المناطق الحرة في دولة الإمارات، واستقطبت عدداً كبيراً جداً من المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية وتحولت دولة الامارات فعلاً الى موقع مهم جداً في الإعلام دون أن تمارس الدولة أي رقابة أو ضغط عليه، وساهمت هذه المؤسسات بوجودها داخل الدولة في تحويل الإمارات إلى مركز رئيسي للإعلام في العالم، فالعالم كله يعرف أن الإمارات لا تمارس على المؤسسات الإعلامية العالمية ضغوطاً ولا تضع أية قيود أو شروط.

ويتذكر العابد أنه لما انتقل الشيخ زايد إلى رحمة الله تعالى تم نشر مجموعة من المقالات، وقامت وزارة الاعلام وقتها بجمع بعض ما تم نشره، وصدر كتاب (شهادات) في 592 صفحة، وبه شهادات لكتاب من خارج دولة الإمارات.

وهؤلاء الكتاب كثير منهم لم يزوروا الإمارات ولكنهم يعرفون الشيخ زايد بأفعاله، وهذا يؤكد عمق العلاقة بين الشيخ زايد وبين الناس، في أي مكان. يقول العابد: صدر كتاب «شهادات» بمقدمة قوية وجميلة للشيخ عبد الله بن زايد قال فيها: (يحتضن هذا الكتاب بين دفتيه بعضاً من الكتابات التي نشرت في الصحف العربية وغير العربية عن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تغمده الله بواسع رحمته.

لقد غمرتنا نحن أبناء زايد أبناء الإمارات حرارة هذه المشاعر النبيلة والجياشة والعفوية التي أتت بلا مقدمات لتؤكد تلك الصلة التي كانت تجمع بين زايد وبين الناس، كل الناس أينما كانوا. ولأننا نحس أن من واجبنا التعبير عن تقديرنا واعتزازنا بهذه الكلمات فإننا نستسمح كل من كتب العذر لنشرها كما نستسمح العذر من كل من كتب ولم تصلنا كتابته ما حرمنا من تضمينها في هذا الكتاب، مؤكدين للجميع أن لكلماتهم موقعها وأثرها ومعناها في قلوبنا ووجداننا، لهم منا جميعاً الشكر والتقدير والعرفان).

المساعدات الخارجية

يقول العابد إن الشيخ زايد كان ضد الإعلان عن المساعدات الخارجية من الإمارات إلى أي دولة.. لأنه كان يعتبر أن الثروة التي منحها الله تعالى لخير الشعب والأصدقاء والأشقاء ويجب ألا نمنّ على أحد بها، واستمر هذا الكتمان الى عام 1990 حين تناثر الحديث أن دول الخليج لا تقدم مساعدات، بعدها بدأنا ننشر بعض الأخبار عن المساعدات بصورة معينة كتحفيز للدول لتقديم المساعدات.

ويتذكر العابد أن دولة الإمارات استضافت مؤتمراً للاتحاد البرلماني العربي وكان من بين المشاركين رئيس مجلس النواب اللبناني، وكان يطمح أن تساعد الإمارات في نزع الألغام بمناطق جنوب لبنان.

يقول العابد: كلمت سمو الشيخ عبد الله بن زايد، فقال: الوفد اللبناني سوف يلتقى الوالد ويمكنهم أن يكلموه مباشرة، وبالفعل عندما التقى رئيس مجلس النواب اللبناني بالشيخ زايد ببساطة شديدة قال له إن إسرائيل انسحبت من جنوب لبنان وعاد الناس إلى القرى لكنهم لا يستطيعون الذهاب إلى الحقول والمزارع بسبب وجود نحو 2 مليون لغم مزروعة في المناطق الجنوبية.. سأله الشيخ زايد ما المطلوب؟ فقال المسؤول اللبناني: المطلوب 50 مليون دولار لنزع الألغام.. وهنا أشار الشيخ زايد إلى أحد المسؤولين وكلفه بالموضوع.. وتم تنفيذ مشروع كبير جداً قامت به الإمارات بالتعاون مع الأمم المتحدة ولبنان بمشاركة خبراء من السويد وألمانيا وتم اختيارهم بسبب خبرتهم الكبيرة في نزع الألغام، والمشروع زادت تكلفته عن 100 مليون دولار وتم بهدوء وبدون أي ضجيج إعلامي ولم تتحدث الإمارات أنها فعلت كذا وكذا.. لأن الهدف كان مساعدة الناس.

ويتذكر العابد أنه عندما حدث الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990، كان الشيخ زايد حريصاً جداً على أن يؤكد انه لا مساس بالوافدين في الإمارات طالما أنهم يحترمون النظام والقانون، كان يقول إن الوافدين يعملون بأمانة وإخلاص ويخدمون البلد ونحن نرحب بهم.

ويؤكد العابد أن الشيخ زايد كان يتحدث بكل بساطة، وفي إحدى المرات كان يزور عيادة في المنطقة الغربية وجاءت سيدة تريد أن تتحدث معه وتسأله في أشياء معينة وسمح لها بالحديث ونفذ تماماً الأشياء التي طلبتها، وعندما كان يتحدث عن المقيمين في الإمارات كان يقول هذه أرض الله يا مرحباً بمن يكون فيها، نريد الخير للجميع.

الاهتمام بالزراعة

وحول اهتمام الشيخ زايد بالزراعة، يروي العابد ما حكاه له أحد المسؤولين عندما استدعاه الشيخ زايد لجزيرة صير بني ياس وعندما وصل المسؤول إلى الجزيرة وجد الشيخ زايد يجلس على صخرة ومعه عصاه، غاضباً لأنه طلب من الخبراء الأجانب زراعة صير بني ياس فكان جوابهم أنه يستحيل زراعة الجزيرة.. ثم حرك عصاه وقال سوف أثبت لهؤلاء الخبراء أننا نستطيع الزراعة هنا.

يقول العابد: اليوم جزيرة صير بني ياس فيها أكثر من مليوني شجرة، تنتج كل أنواع الثمار والفواكه، وبها كذلك منتجع للطيور المهاجرة تأتي من سيبيريا إلى صير بني ياس، وأصبحت الجزيرة من أشهر المعالم السياحية والزراعية في المنطقة.

تعليقات

تعليقات