شكل «عام زايد» محطة لاستذكار المواقف والقيم الإنسانية النبيلة التي جسدها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قولاً وفعلاً، حيث إنها تشكل ثقافة وإرثاً وفكراً ونهجاً وطنياً، وممارسة حضارية تتناقلها الأجيال عبر مسيرة بناء دولة الإمارات، وفق أرقى معاير التنصيف الحضاري الحديث، وقطعت شوطاً متقدماً في فترة زمنية قصيرة، كان أساسها البناء المتين الذي أُسس عليه الشيخ زايد، رحمه الله، وسار على نهجه وحمل رسالته أنجاله من بعده.

عيال زايد
وفي مجلس قبيلة الأحبابي في مدينة العين التقت «البيان» عدداً من أعيان القبيلة، مما كان لهم شرف العمل في كنف زايد وله معهم قصص وحكايات، حيث لم يكن، رحمه الله، يكتفي باستقبال أبناء مدينة العين في مجلسه سواء خلال توليه مقاليد ممثل الحاكم أو عندما أصبح حاكماً لأبوظبي، ورئيساً لدولة الإمارات، حيث كان يحرص على زيارة بعض الأسر والشخصيات في منازلهم وبحضور أبنائهم وأحفادهم ويستمع لهم ويلبي مطالبهم.
عبد الله فلاح جابر الأحبابي، مسؤول مجلس الخبيصي، واحد ممن زارهم الشيخ زايد، رحمه الله، في منزلهم في منطقة الهمّلة في الصاروج، يتذكر لـ «البيان»، أنه عندما كان في التاسعة من عمره كان والده وجده يعملان في قصر الشيخ زايد، وذات يوم فوجئ أبناء العائلة بأن الشيخ زايد يزورهم في منزلهم الجديد، حيث كان رحمه الله قد أمر بتخصيص منزل لوالده في منطقة الخبيصي، يومها جلس واستمع للحاضرين، وأذكر أنه قال لي مازحاً، «أنت بدوي ولا حضري» فقلت له «نص بنص» فضحك رحمه الله ضحكة مليئة بالحنان والعطف وصدق المشاعر، لقد كان رحمه الله يحرص على زيارة أبناء العين في منازلهم ولا يكتفي باستقبالهم في مجلسه، وعندما انتقلنا إلى منطقة الخبيصي سألني، رحمه الله، عن مصدر المياه التي نستخدمها في منازلنا، فقلت له عبر الصهاريج، فأعطى أوامره بحفر الآبار داخل البيوت.
ويتابع: «كان عندما تنهار عيون الافلاج يأخذ معه ربعه لمعالجة الموضوع وكان يعمل معهم بيده ولا يكتفي بإعطاء التوجيهات».

قول وفعل
ويروي على لسان جده عبد الله محمد السحي الظاهري، أنه كان لديهم بساتين في العين، وكانت المياه توزع عليها عبر نظام الري بالساعات التي تحسب فلكياً حسب القمر، وكان البعض ليس لديه كميات مياه كافية، فاستقدم زايد الخير، رحمه الله، خبراء لتطوير نظام الافلاج وطريقة توزيع المياه، وأصبح الماء يصل بكميات كافية لكل شخص، ووضع أشخاصاً للإشراف على تطبيق النظام، حيث ازدهرت واحات النخيل والمزارع وازدهرت الزراعة في المزارع الخاصة، وتم تخصيص أماكن للبيع في سوق العين القديم، يأتي إليها التجار من مختلف المناطق.
ويضيف: «كان زايد رحمه الله، يحرص على استقرار الأسرة، وكان يعطي التوجيهات بأن يعطى كل شخص قطعة أرض أو منزلاً شعبياً في منطقته وحول أسرته، أبناء القطارة في القطارة، وأبناء المسعودي في المسعودي وأبناء اليحر باليحر وزاخر في زاخر وهكذا، وذلك بهدف أن يبقى أبناء الأسرة والقبيلة بجانب بعضهم البعض، إضافة لتخصيص الأراضي التجارية والصناعية وعقارات للاستثمار من أجل أن يعيش أبناء الدولة بسعادة وأمن وآمان واستقرار».

رؤية وآفاق
كما يستذكر عبد الله أيام التعليم، حيث كان طالباً في مدرسة النهيانية، أول مدرسة في مدينة العين، وكان حينذاك يُمنح مكافأة شهرية للطلبة تبدأ بـ 50 درهماً في الصف الأول تزاد عندما ينتقل الطالب للصف الأعلى، إضافة للملابس، وذلك من منطلق حرصه على تعليم أبناء شعبه، حيث كان، رحمه الله، يرى في التعليم المدخل لبناء وارتقاء الشعوب والأمم، وتلك هي مدارسنا وجامعاتنا تتحدث عن مخرجاتها وما قدمته لأبناء الدولة من تعليم نوعي متطور، على أيدي نخبة من خيرة المدرسين والمربين.
وأشار إلى أن التحولات التي شهدتها الدولة على يديّ المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يعجز الإنسان عن سردها وحتى توقعها وسرعة ودقة إنجازها، ولم تكن تلك التحولات فقط على المستويات الاجتماعية، بل في بناء دولة الاتحاد، والدور الكبير الذي قام به وسط التحديات الإقليمية في تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والانضمام للمنظمات الدولية والإقليمية، ودوره الرائد في تقديم الدعم المادي والمعنوي للمحتاجين دون تمييز بين لون أو عرق أو جنسية، فكانت عطاءات الخير تعم الجميع، إضافة لغرس روح المحبة والتسامح، فأصبح ذلك نهجاً تسير عليه دولة الإمارات.

تواضع وتسامح
أما حسين ظافر هشان الأحبابي، فعمل برفقة الشيخ زايد 30 عاماً، فيقول: «عايشنا الشيخ زايد، رحمه الله، في حله وترحاله، كان رجلاً متواضعاً مع أبنائه، كان يشعرنا أنه والدنا وليس رئيسنا، كان يمازحنا ويطلب منا في أوقات الراحة أن نقوم ببعض ألعاب التسلية، سيما المسابقات الشعرية والثقافية والدينية، والتراثية، وكانت روح الدعابة والفرح تعم مجلسه في تلك الليالي، سيما أثناء السفر ومواسم القنص، وذات مرة سألنا عن «كشن الفرس» معصم الفرس، وذلك من خلال قصيدة مطلعها: «تسعدني غمرة بغمرة..شوفها مثلها عليّ وصايف».
ويزيد حسين: «لقد تعلمنا من زايد الحكمة والاحترام، حيث زرع الحب والألفة بين أبناء الإمارات، وكان يحرص رحمه الله على حل المشاكل الخاصة للمواطن ويذهب إلى بيوتهم ويجلس معهم ويسمع منهم ويستعين بأهل الخبرة إذا استعصى الأمر، كان يشجعنا على العمل في الزراعة فهي قوت الحياة، وكذلك تربية الإبل وكان يدعم مربي الإبل ويقدم لهم الدعم المادي ويحضر بنفسه مسابقات الهجن التي كانت تشهد إقبالاً كبيراً من المواطنين، حيث أُقيمت لها ميادين السباقات الخاصة».

عدل وتسامح
كما يقول ظافر فرحان الأحبابي، أحد العاملين في دائرة القضاء بالعين: «لقد تفرد زايد رحمه الله، بالعطف والرحمة والتسامح، وكان يوصي رجال القضاء دائماً بضرورة أن يحكموا بالعدل ولا يظلموا أحداً».
وينوه ظافر: «لقد كان رحمه الله القائد والحاكم والقاضي، كان رجلاً مصلحاً محباً للخير والعطاء سخياً، متسامحاً إلى أبعد الحدود وكان دائماً يوصينا بالتسامح والعدل فهما أساس الملك، ويؤكد دائماً أن احكموا بما يرضي الله وضميركم، لقد كانت تعرض بعض القضايا عليه شخصياً كي يعطي مشورته والتوجيهات بحل القضية وفق الأصول لكنه لا يتدخل بشكل مباشر في القضايا القانونية التخصصية، حيث كان يستعين بأهل الخبرة والاختصاص، سيما في الأمور الشرعية والإرث والمنازعات على ملكية الأراضي، وحرص رحمه الله على إقامة لجان الصلح المتخصصة، وهي تعمل حتى الآن، لتقوم بالإصلاح وتوثيق بنود الصلح بين أفراد المجتمع حتى تأخذ صبغة قانونية وملزمة لجميع الأطراف، وهي من اللجان التي لعبت دوراً كبيراً اختصاراً للوقت والجهد، وكان دائماً يستشهد بالآية الكريمة «الصلح خير»، وكان رحمه الله أباً حانياً رؤوفاً محباً للخير بطبيعته الإنسانية وسخر كل الإمكانات التي منحها الله من أجل إسعاد الناس».

فخر واعتزاز
ويتكلم علي سعود الأحبابي، أن سيرة الشيخ زايد، رحمه الله، «تبعث فينا روح الفخر والاعتزاز، والانتماء لدولة الإمارات، ونحن جيل محظوظ أننا ولدنا وتعلمنا وعشنا في عصر زايد، وكان هو أيضاً فخور بشعبة فبادلهم الحب والعطاء والوفاء، كان إسعاد المواطن همه وهدفه وفي مقدمة أولويات تفكيره، كان يفرح جداً عندما يرى أحد المواطنين فرحاً سواء عندما يرزقه الله بمولود جديد أو أن يزوج أحد أبنائه، فيقوم بإكرامه ويحرص على التواجد معهم ويحضر أفراحهم أينما كانوا في الأسواق وفي منازلهم وفي أماكن عملهم، زيادة على أن مجلسه كانت أبوابه مفتوحة للقاصي والداني، ولم يكن مقتصراً على المواطنين فقط، بل حتى للمقيمين، وهذه المجالس تطرح فيها كل الأمور القيادية والإدارية والمجتمعية بحضور أصحاب الاختصاص الذين كانوا يقومون مباشرة بتنفيذ التوجيهات ومعالجتها فوراً وفق مقتضى الحل والتوجيه.
كما قال سعيد الأحبابي: «لقد كان زايد رحمه الله بمثابة الأب الحاني، فعندما كان يعود من السفر كنا نشعر بالفرح الكبير وبشعور الأمن والأمان».

زايد والشعر
وكان الشيخ زايد محباً للشعر النبطي وله في ذلك ومضات، وألقى الشاعر سعيد أبو دية ضمن المجلس قصيدة نقطتف منها بعض الأبيات:
كل البلد تقول في عام زايد
مرحوم يا شيخ الأمور المهامات
بالعزم روض كل عسر وكايد
شيخ بنى تاريخ سبع الإمارات
اسمه بقى ذكر على كل نايد
وله في سنام المجد هيبة ووقفات
يا دار زايد ديرة أهل العوايد
زايد رحل والذكر حي ولا مات
الطير الهارب يحطّ على سيارة زايد
مهدي علي الأحبابي، الذي عمل برفقة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أكثر من 26 سنة، كانت سنوات البناء والعطاء والسعادة والفرح، يذكر أنه كان يسافر كثيراً أثناء مواسم القنص والصيد، حيث كان رحمه الله يهتم كثيراً بالقنص وتربية الطيور، التي كان يخصص لها مجموعة من الأشخاص العارفين بتربيتها ورعايتها وتدريبها وتعليمها الصيد من خلال استخدام «التلواح» ومن خلال اهتمامه اهتم عدد كبير من أبناء الإمارات بهذه الرياضة النبيلة.
ويذكر أنه في ذات ليلة كُنا في أحد معسكرات القنص، وكان لدينا طير متميز، يحرص الشيخ زايد على تربيته وتعليمه الصيد، وذات صباح أحد الأيام وقبل خروجنا للقنص، سألني عن وضع الطير، فقلت له الحمد لله إنه على أتم الاستعداد، فقال لي «راح نعطي اليوم الطير لفلان وهو واحد من الشخصيات المرموقة في مدينة العين، وبالفعل أعطاه الطير كي يصطاد به، وأطلق ذاك الشخص له أحد طيور الحبارى، فلم يصطدها الطير، فأطلق واحداً ثانياً وكذلك الحال الثالث والرابع، عندها شرد الطير بعيداً، وقمنا بالبحث عنه عبر جهاز الإرسال، ولم نستطع الحصول عليه وعدنا أدراجنا ووجدناه رحمه الله يضحك من الموقف، وما أن حل المساء وإذ بالطير يقف على مقدمة السيارة الخاصة بالشيخ زايد، رحمه الله، فاقترب منه ومد له يده ووقف الطير عليها وهو ينظر يميناً ويساراً، فقدم له الشيخ زايد شيئاً من لحم الحبارى التي تم اصطيادها، ثم سلمه لنا ولم يعطه لأحد بعد ذلك أبداً».
تكريم «البيان »
في ختام المجلس الخاص بعام زايد، توجه أبناء قبيلة الأحبابي بالشكر لجريدة «البيان»، لحرصها الدائم على التواصل المجتمعي مع أبناء المدينة وتسليط الضوء على مدينة العين التي أحبها زايد وعاش فيها ريعان شبابه، ممثلاً للحاكم، وجعل منها واحة خضراء وسط رمال الصحراء، وكان لـ «البيان» حضور متميز في مواكبة التطورات والإنجازات التي شهادتها مدينة العين، وكرم عبد الله جابر فلاح الأحبابي معرف القبيلة والمشرف العام على مجلس الخبيصي درعاً تكريمية للصحيفة بمناسبة عام زايد.
