قال علي صقر السويدي أمين سر مجلس إدارة جمعية الإمارات للحياة الفطرية وأحد أبرز نشطاء البيئة في الإمارات: إن الحفاظ على مواردنا الطبيعية وعلى بيئتنا التي حبانا الله بها متأصلة في أبناء زايد منذ الأزل، مبيناً أن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قدر البيئة حق قدرها وجعلها على سلم أولويات اهتماماته، كما أن أجدادنا حافظوا على البيئة بفطرتهم النقية من أجلنا وعلينا أن نستكمل مسيرتهم حتى نبقيها من أجلنا ولأجل أجيال عديدة قادمة.

ودعا السويدي في حديثه لـ «البيان» بمناسبة عام زايد واحتفال الإمارات باليوم الوطني للبيئة الأحد المقبل أبناء الإمارات للعودة إلى التواصل مع الطبيعة تواصلاً يحميها ولا يؤذيها كما فعل الأجداد وعلى رأسهم زايد، رحمه الله، رجل البيئة الأول.

وأضاف السويدي أن حفاظ الآباء والأجداد على الطبيعة كان تلقائياً وعفوياً بالفطرة، فقد كانوا يحافظون على البيئة والموارد الطبيعية المتوفرة في كل مناحي حياتهم وهو ما كان ينبع من أخلاقهم الرفيعة واحترامهم لكل ما أنعم الله به عليهم.

المسكن

واستعرض السويدي تفاعل سكان الإمارات قديماً مع الطبيعة وكيف عاش الأجداد في تناغم دقيق مع الموارد البيئية التي حفلت بها الإمارات في ذلك الوقت حيث أشار إلى أنهم كانوا يبنون بيوتهم كلها من العريش والدعن (جزء من النخلة يصنعون منه سقف البيت)، أو يقيمون الخيام من شعر الغنم (التي كانت تصنعها النساء بأنفسهن)، لقد كانت هذه الخيام تساعدهم على التنقل.

حيث ينتقلون في الصيف للعيش بالقرب من مكان الماء وتحت أشجار الغاف، ويبنون الخيم أحياناً من الخيش (الكتان القادم من الهند)، كما كان يقضي أغلبهم الصيف في مدينة العين، حيث يذهب النساء إليها ويعدن بتمر يكفيهم لمدة عام، بينما يخرج الرجال لرحلات الغوص.

طرق

وأشار السويدي إلى بعض طرق تحديد الفصول آنذاك حيث قال «كان هناك 4 مواسم؛ الصيف والقيض والخريف (الصفري) والشتاء، الصيف هنا بمعنى الربيع، أما القيض، فسمي بهذا الاسم لأن التمر ينضج على النخل، وكلما كان الجو جافاً كان التمر أجود، ولكل تمر نوع مختلف واسم مختلف مثل الخنيزي، وهناك أكثر من 25 نوع من التمر في الدولة.

وتابع: كانوا ينتظرون موسم المطر (المربعانية) وهو أحسن مطر وينبت بعده "الفقع"، كما كنا نتغذى على أطراف نبات السيداف لأنه غني بالحديد ونخلطه مع التمر والسومة (السردين).

وقال: أما الدرور، فهو حساب فلكي في الإمارات يعتمد على النجوم، وكان أهمها نجم "سهيل"، وكان يظهر في الجنوب يوم 18 أغسطس، ويكون حساب الدرور على حساب عشري، كل عشر أيام يسمونها درّ، ويبتدئ الدر من العشر 10 20 30، وينتهي عند الـ100، ففي الدر الستين مثلاً يكون البرد قارساً، وفي الدر السبعين تبدأ درجة الحرارة بالارتفاع، فكانت النساء تجز الصوف عن الخرفان لتخفف عنها الحر».

وأضاف: «من القصص الفريدة التي كان يرويها الأجداد، أن الجمال لو حملت بالتمر قبل ظهور نجم سهيل، فما كان يتحرك الجمل وكان لزاماً عليهم انتظار ظهور النجم كي يتحرك الجمل، وعندما كان يبدأ انخفاض حرارة ماء البحر، يعلمون بقرب ظهور "سهيل"، وبالتالي قرب فصل الشتاء».

«ولمعرفة أوقات الصلاة، كانوا يستخدمون الظل، فعندما تتعامد الشمس على العصا يحين وقت الظهر، وعندما يتمدد الظل للضعف، فإنه وقت العصر، وكان "سهيل" يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالزراعة ونجاحها، حيث كانوا ينتظرون ظهوره ليبذروا البذور لضمان نجاح إنباتها، حيث إذا بذروها قبل ظهور "سهيل" ما كانت لتنبت».

وأورد السويدي بعض المقولات التي تناقلتها الأجيال منها: «لما يطلع سهيل يطيح الدين» بمعنى أنه عندما يظهر «سهيل» تفرّخ المغاصات ومعناها زيادة إنتاج اللؤلؤ، حيث تتضح الرؤية ويسهل علينا استخراج اللؤلؤ، فنعود بصيد وفير، ونتمكن من قضاء ما علينا من ديون.

وهناك أيضاً، نجم الثريا يغيب 40 يوماً وأثناء غيابه تهب الريح المثيرة للرمال، وعندما يعاود الظهور يبيض الطير وينضج التمر، لذا نظم الكثير من الشعراء قصائد عن هذا النجم.

واستعرض السويدي بعض عادات الحفاظ على المأكل والمشرب بين الأجداد حيث قال: «كانوا في السابق يجلبون التمر من مدينة العين، ثم يحفرون حفرة كبيرة ويخبئونه في الحفرة ويغطونه بالرمل ويضعون عليه علامة ترشدهم إليه عندما يحتاجونه.

كما كانت وسيلة لأي عابر سبيل يمر من ذات الطريق ليحفر ويأكل ويستفيد منه. لقد توارثنا مقولة أجدادنا (الشواب) "النعمة زوالة" لأنهم مدركون ندرة الموارد، ولذلك كانوا يأكلون وجبتين فقط كي يحافظوا على الطعام، كما كانوا يجتمعون ليأكلوا معاً لينعموا ببركة الجماعة، كما كانوا يحافظون على الأكل والموارد ويستخدمونها بحكمة، وكانوا يعتمدون بشكل أساسي على القهوة مع التمر وحليب البوش "الجمال"».

وأضاف: «كانوا يعلمون أن المستقبل للأطفال، فكانوا يحرصون على تقويتهم ومساعدة أجسادهم الصغيرة على النمو، فكانوا يحرصون على أن يشربوا حليب الناقة قبل النوم، وهي الوجبة التي كانوا يطلقون عليها قديماً "الغبقة"».

الشجرة المباركة

وذكر أمين سر جمعية الإمارات للحياة الفطرية «تسمى النخلة بالشجرة المباركة، لأننا كنا نستخدم كل جزء منها في جميع جوانب حياتنا، نأكل الرطب ونصنع القهوة بالنوى، ونبني العريش (مكان السكن قديماً) من عريشها وسعفها لنسكن فيها، ونستفيد منها في التجهيز لرحلات الغوص».

عناية خاصة بالجمال

أشار علي السويدي إلى العناية الخاصة التي اولاها أجدادن للجمال، فهي عنصر هام للبيئة ومصدر للعديد من المنافع التي تعود عليها دون أن تشكل أي مصدر لتخريبها، وخير دليل على ذلك الطريقة التي تحصل فيها الجمال على غذائها عندما تأكل، فهي لا تقتلع النبات من جذوره، بل تأكل من سطح النبات فقط».

ويُعد السويدي من أكبر المهتمين بالقضايا البيئية، وهو عضو مجلس إدارة جمعية الإمارات للحياة الفطرية، المنظمة البيئية المحلية الرائدة التي تلتزم بمساعدة المجتمع على إعادة صياغة العلاقة بينه وبين كوكبنا حتى يتعايش الناس بانسجام مع الطبيعة من خلال تنفيذ برامج الحماية البيئية بالتعاون مع القطاعين العام والخاص.