ريبورتاج

دولة المخيمات السورية

ت + ت - الحجم الطبيعي

على الشريط الحدودي شمال غرب سوريا، تنتشر ما يمكن أن نسميه «دولة المخيمات» في هذه البقعة التي يبلغ طولها حوالي 400 كيلو متر من الفرات إلى البحر المتوسط، حيث يعيش أكثر من مليوني نازح ومهجّر ومشرّد قذفتهم الحرب الطاحنة وتداعياتها، إلى هناك، بعيداً عن منازلهم وقراهم ومدنهم.

458 مخيماً تتوزع على مناطق الشمال، حسب تقديرات وحدة تنسيق الدعم المعتمدة من الأمم المتحدة، تتوزع على 26 منطقة في بقعة هي الأكبر عالمياً في استقبال المتأثرين بالحرب داخل الأراضي السورية، حيث تحولت هذه البقعة إلى دولة مخيمات في سوريا.

في كل خيمة قصص وروايات تضاهي قصص ألف ليلة وليلة، قصص الهول والخوف والموت والتشرّد، لا بل في خيمة عزاء دائم تحييه الأمهات في هزيع الليل يستذكرن قتلاهن في الحرب البائسة، وفي صباح كل يوم يزول مشهد الحزن لينغمس الجميع في مرارة الحياة.

مزيج من الألم والحاجة والقهر في باطن كل شخص يعيش على دولة المخيمات، تتنوع هذه القصص من رقعة إلى أخرى، إلا أن جميعها تتلخص في سرد أيام المرارة ودروب الآلام على مدار خمس سنوات، منذ أول خيمة تم نصبها في الشمال السوري.

في الشتاء الماضي، انتشر مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر طفل يصدح بقصيدة موجعة أثارت ضجيجاً على وسائل الإعلام، عن المخيمات في الشمال السوري، من بين ما قال الطفل في قصيدته «يا مصور يكفي تصوير المآسي».

تلك القصيدة تحولت إلى أيقونة شعبية في مجتمع المخيمات، ذلك أن هذا المزيج الذي يبلغ مليوني نسمة تحول إلى مجتمع متجانس تجمعه الأسباب ذاتها، فأصبح على هذه الأرض ثقافة واحدة وسلوك واحد وتجربة واحدة خلقت وطناً على أرض الوطن الأكبر.

«الأولوية للخبز»
 
من ملاحم المخيمات قصة الطفلة فاطمة وعائلتها، هي ليست الرواية الأبرز في سرد الألم والقهر، لكنها الأكثر شهرة في مخيمات الشمال، لأن فاطمة التي لم تتجاوز السادسة من العمر، ترزح تحت وطأة الإعاقة دون أن تتمكن العائلة من إنقاذها، علماً أن عملية الإنقاذ والتخلص من الإعاقة ليست بالمكلفة، لكن الانشغال بلقمة العيش والاحتياجات اليومية، جعلت العائلة تنسى فاطمة، لتنشغل برغيف الخبز الذي بات يتصدر الأولويات.

لا تطلعات لا أحلام لا مستقبل.. بل حياة في الوقت ذاته، على هذه الدولة المصطنعة منذ سنوات على مدار السنوات الست الماضية، كل ما يعني هذه الرقعة ألا ينام أحدهم دون ملء البطون.. على الأقل هذه رواية أم فاطمة التي لا تزال حائرة بين تأمين دواء فاطمة وبين العمل من أجل العيش فقط «بلحم البطون».

أم فاطمة لا تريد أي شيء من هذه الحياة سوى معالجة ابنتها المعاقة، إذ تخشى أن تمر الأيام والسنون وتبقى فاطمة على حالها منتفخة البطن لا يمكنها الزواج.. فاطمة ذات العينين الزرقاوين والشعر الأشقر تبحث عن حياة طفولية على غرار جيرانها، إلا أن إعاقتها تمنعها أن تلهو وتلعب كما الأطفال.

يعمل والد فاطمة محمود من الصباح حتى المساء في محاولة لتأمين الدواء للطفلة المعاقة، إلا أنه مرة يصيب وفي كثير من الأحيان يخيب عمله في تأمين ثمن الدواء، لذا سلمت والدة فاطمة أمرها لله وقررت الحصول على الأدوية المجانية، أما الأدوية المدفوعة الثمن فلا أمل في الحصول عليها.. وكذلك التحاليل الطبية التي تحتاجها فاطمة لم تعد من الأولويات، بل أصبحت على قائمة المستحيلات، لتعيش هذه العائلة المرارة في كل مساء وصباح حين يرون ابنتهم وهم عاجزون عن مساعدتها.

عاملة في الـ70

بالقرب من هذه الخيمة، ثمة قصص من عالم المخيمات، لا تقل مأساوية وقسوة عن عائلة فاطمة، إلا أن المأساة هنا تحملها مسنتان على أطراف العمر، لا طفلة في مقتبل الحياة، ومع ذلك تحاول المسنتان المضي قدماً في الحياة وصراع دائم من أجل البقاء.

قصة المسنة شمسة التي تعمل حتى اليوم الأخير من حياتها، عبارة عن رواية في الكفاح والنضال من أجل الحياة، فلا خيمة تمنعها ولا عمر يحول دون أن تقوم بعملها من أجل أن توفر لها وأحفادها قوت يومها، ومع ذلك بيدها المحفورتين بالأخاديد تنسج الصناعات اليدوية وتبيعها إلى زوار المخيم الذين يبحثون عن الصناعات التراثية.

تبلغ المسنة شمسة سبعين عاماً، جاءت منذ سنوات إلى مخيم النازحين في ريف إدلب الجنوبي، ولم تجد من يعينها على يوميات الحياة، وقررت أن تبدأ العمل رغم الظروف القاسية، ففي الصباح تقول شمسة التي تهجّرت عائلتها، تخرج إلى أطراف المخيم لتجمع القش وبعض الاحتياجات لنسج سلة تراثية أو صناديق للخبز، تمضي الليالي والأيام من أجل صناعة سلة من القش بألوان جميلة، وبعد الانتهاء منها تقوم بالذهاب إلى السوق لبيعها وشراء ما ينقصها من الاحتياجات اليومية.

وتضيف؛ في بعض الأحيان لا أحد يشتري ما أنتجه يدوياً، فأذهب إلى بعض المحلات التجارية أقوم باستبدال هذه السلة اليدوية أو المنتوجات الأخرى، بالأطعمة والمعلبات، وعلى هذا المنوال يتم العمل في كل مرة، دون أن نعرف إلى متى نعود إلى منازلنا المدمرة.

في كل خيمة مئات القصص وفي كل مخيم آلاف الروايات التي تخلد في ذاكرة الأجيال، الأطفال هنا لا يستوعبون ما يجري في أروقة الخيمة، لكن ذاكرتهم في المستقبل لن تنسى هذا الألم والشتات، هنا قصص للبيع والإنتاج.. تزيد من قتامة الحياة وبؤسها، فالمرأة لا تملك إلا الشقاء والخوف من المستقبل، فيما الرجال يمضون ساعات وساعات عاطلين عن العمل لا حول لهم ولا قوة.. أما الصدمة المؤجلة هي ضياع جيل كامل من الأطفال.. ولكن القصة لم تنته بعد!

 

مخيم أطمة

 

 

 

طباعة Email