ريبورتاج

الزعتري.. ناس ومخيّم ومدينة

على مدخل مخيم الزعتري للاجئين السوريين، ضحكات أطفال وسط الطين، بعد نزول المطر ترافقك حتى تعبر القهر وتصل إلى حديث نساء عن الشام ودرعا، وطرق تجفيف الفواكه. إنها حياة موازية في هذا الموقع الذي يعد من أبرز الشواهد على الآثار الجانبية للحرب في سوريا. مكان خالٍ من الحياة تحول فجأة إلى مدينة مخيّم، وعاصمة اللاجئين السوريين في الأردن، حيث يبلغ عددهم الإجمالي نحو 1.3 مليون لاجئ وفق بيانات الحكومة الأردنية، فيما يبلغ عدد اللاجئين المسجلين لدى مفوضية اللاجئين نحو 655 ألف لاجئ، يعيش منهم قرابة 123 ألفاً في مخيمات الزعتري والأزرق.

يقول أحد وجهاء المخيم، أكرم الحريري، إن التحديات استمرت منذ التأسيس إلى غاية الآن، ولكنها مع الوقت أخذت أشكالاً مختلفة، ففي البداية كان هنالك تحدي العيش في خيمة وعدم وجود البنية التحتية من ماء وكهرباء وغيره، وعدم توفر التعليم والعلاج، والمشاكل الكثيرة والخلافات بين الأسر على توزيع المساعدات، وبعد ذلك أصبح هنالك تحدي مواصلة التعليم الجامعي، والاندماج في سوق العمل نتيجة محدودية فرص العمل، إلى كيفية إصلاح الكرفانات التي أصبح أغلبها غير صالح للعيش، والتحدي الأخير الذي أثر على العالم وعلينا وهو مواجهة وباء «كورونا».

يضيف الحريري: عندما جئنا كوننا عائلات إلى الزعتري وجدنا أمامنا أرضاً صحراوية فارغة، أما الآن فالمخيم هو عبارة عن مدينة داخل مدينة، فالمخيم يوجد به كل أنواع المحلات التي تلبي جميع الاحتياجات، عدد السكان آخذ بالازدياد إلى أن وصل إلى ما يزيد على 90 ألف لاجئ، هنالك بعض العائلات التي جاءت للمخيم ولم تستطع البقاء ومنهم: العائلات التي تعد أوضاعها المادية جيدة استأجرت في المحافظات الأخرى، أيضاً العائلات التي لديها أحد أفرادها مريض وبالذات الأمراض المزمنة والمتعلقة بالجهاز التنفسي، فبيئة المخيم غير مناسبة لهم كون الغبار لا يتوقف، وأيضاً هنالك من استطاع بمساعدة أقربائه الموجودين في الأردن.

يختم الحريري قائلاً: تعد عائلة الحريري أكبر عائلة موجودة في المخيم، نسعى مع العائلات أن نترابط وأن نشكل نموذجاً في التعاون والتساند، فاللجوء صعب ولا يمكن أن يمر إلا بالتعاون، أضف إلى ذلك أن قرار العودة لا يعد جاذباً للكثير من الأسر، في الوقت ذاته نحاول المحافظة على تقاليدنا وعاداتنا خوفاً من الاندثار، فمثلاً في المناسبات كالأعراس ما زلنا نتبع عادة تقديم طبق «المليحي» الخاص بنا والمكون من البرغل واللبن واللحم، وهنالك تقليد «الجوفية» وهو غناء شعبي حوراني و«القصيد البدوي» وغيرها من العادات السورية، التي نفتخر بها.

وبحسب الإحصاءات الأخيرة فإن عدد سكان مخيم الزعتري يقارب حالياً 77 ألف لاجئ، يتوزعون ضمن 12 قاطعاً و26 ألف وحدة سكنية (كرفان)، إن المخيم يضم حالياً 1200 محل تجاري، فضلاً عن 11 مركزاً طبياً تتوزع ضمن أرجاء المخيم، 32 مدرسة للإناث والذكور، ومراكز تعليمية.

أظهرت النتائج أن التركيبة العمرية للسوريين في الأردن تعتبر فتية، حيث بلغت نسبة الأطفال ممن أعمارهم أقل من (15) سنة نحو 45% من المجموع الكلي لعددهم.

وفي دراسة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الاثنين، إن نحو 79% من اللاجئين في الأردن، أي أكثر من 500 ألف شخص يعيشون تحت خط الفقر، وبأقل من 3 دولارات في اليوم الواحد.

 

 

 

 


دعم الأطفال

ويشرح عضو اللجنة الشبابية السورية، الناشط في حقوق الطفل، قاسم اللباد قائلاً: لقد وصلت المخيم أنا وعائلتي وأطفالي منذ عام 2013، ومنذ تلك اللحظة قررت أن أبذل قصاري جهدي لأساند الأطفال وأساعدهم حتى يستطيعوا المضي في هذه الرحلة، أطفال الزعتري حصلت عليهم تغيرات عديدة وتمكنوا بإرادتهم الصلبة أن ينتصروا على صعوبات عديدة.

يضيف: الأطفال في الزعتري يقسمون إلى قسمين، من جاء من سوريا وكان يدرس هنالك وأصبح مع الوقت خريجاً من إحدى الجامعات الأردنية، وثانياً الأطفال الذين ولدوا في الزعتري ونشأوا فيه، القسم الأول ظل يسيطر عليه حنين العودة إلى الوطن والقلق مما جرى سواء شاهده أو عاشه أو سمع عنه، القسم الثاني ينظرون للعائلات السورية، التي تسكن خارج المخيم ويتساءلون دوماً لماذا لا يوجد لدينا منزل مثلهم وحياة طبيعية!

يواصل قائلاً: الأطفال الذين جاؤوا مرافقين لعائلاتهم إلى المخيم أيضاً لديهم قصص وتحديات لا تنتهي، فمنهم من في البداية جاء مع أمه فقط، وظل الأب في سوريا ينتظر أن يتحسن الحال ولكن طالت مدة الانتظار وبعدها جاء الأب، وفي هذه الفترة لم يعد الطفل طفلاً، بل أصبح رجلاً للبيت يقف إلى جانب أمه ويعيش معها في الخيمة التي بالكاد تقف في مواجهة الريح، هذا إن كان عمره وقدراته تسمح له بذلك.

أيضاً هنالك الأطفال الذين تعرضوا لفقد أحد أفراد عائلاتهم وهم الأطفال المنكوبون، وهذه الفئة حساسة جداً واحتاجت لرعاية كبيرة من جميع الجهات، كما أن الأطفال المصحوبين أي الذين يعيشون في المخيم بعيداً عن الأب أو الأم، وجميع هذه الفئات عاشت في الخيام إلى منتصف عام 2015، كما هم باقي اللاجئين.

ويبين اللباد أنه حين تم افتتاح مخيم الأزرق للاجئين السوريين في عام 2014، توقف استقبال اللاجئين في الزعتري، ومن وقتها تمكنت العائلات من استبدال الخيمة إلى كرفان (بيت متنقل) تقيهم حر الضيف وبرد الشتاء، يقول: في الحقيقة معظم الموجودين في الزعتري هم من العائلات الكبيرة، لهذا فنسبة الأطفال عالية في المخيم، هم توجهوا للأردن ظناً منهم أن الهدوء سيعود للمناطق الجنوبية التي ظلت ساخنة لسنوات عدة، وعلى أمل العودة لم يهتم عدد كبير منهم في التساؤل عن تعليم أولاده في هذه الفترة، وبعد ذلك تغير الحال.

 

 


المنظمات

من عام 2013 إلى عام 2015 زادت المنظمات الدولية بشكل لافت، ليتجاوز عددها 40 منظمة، ومعظمها مختص في الدعم النفسي والتركيز على الحقوق والتعليم وتنمية الشخصية، هذه المنظمات وفرت للأطفال دعماً مهماً لا يمكن إنكاره، فالأطفال بعد المدرسة أصبح لهم أنشطة خاصة لتنمية مواهبهم وقدراتهم من الرياضة إلى المسرح إلى الموسيقى إلى التفكير الابداعي، وغير ذلك من محفزات على الإنتاج والإبداع.

ويبين اللباد أن العائلات الآن تهتم بتعليم أطفالها ومتابعتهم، قائلاً: الكبار بالسن استطاعوا التكيف في المخيم، وتبعاً لذلك الأطفال، ورغم الإمكانات المحدودة وشح المنح لإكمال التعليم الجامعي إلا أن هنالك مواصلة ونتائج مبهرة تسعدنا، جميعنا نحاول بناء شخصيات مميزة لأطفالنا مع الحرص على ضرورة أن يبقى الطفل متصلاً بوطنه سواء عبر التعرف والتعلم عن تاريخ سوريا أو عبر الاتصال مع الأقارب، فنحن ندرك أن هنالك أمل بالعودة، وأن التعليم هو وسيلتنا للعودة.


المرأة

أما منسقة اللجنة النسائية السورية أحلام حراكي والتي جاءت إلى المخيم منذ عام (2013) تقول: أحوال المرأة في المخيم لم تكن مريحة في البدايات، فالعبء كان كبيراً جداً عليها، فهذه السيدة وجدت نفسها بين ليلة وضحاها تعيش في خيمة، بعد أن كانت تعيش في منزل مستقل لتجد أنها تطبخ في مطبخ مشترك لعدد كبير من العائلات، أضف إلى مهمة جلب المياه إلى المنزل وعدم وجود أنابيب، التي وصلت لنا بعد مدة ليست بالقصيرة، هذه المهمات لم تكن بالحسبان، ولكن ما كان يجعل السيدات يقاومن هذه الصعاب هو الشعور بالأمان وأن هنالك حماية للأطفال.

تضيف: بعد ما يقارب العام أصبح لعائلتي مطبخ وحمام مستقل، المعاناة الحقيقية كانت أمام كبار السن وخصوصاً الذين يعانون من أمراض ورؤيتهم ما يحدث، لم يكن هنالك خصوصية، فالخيم متقاربة والفوضى تعم المكان، ومع السنوات أصبح الزعتري منظماً أكثر، المخيم كان يضم أكثر العائلات من درعا ومن ثم الغوطة الشرقية والقليل من أهل حمص، وهنالك اختلاف بين العادات والتقاليد، ولكننا مع الوقت اندمجنا سوياً وأصبحنا جسداً واحداً متكافلاً.

واصلت قائلة: إن الأحوال معظمهما تحسنت، فالفتيات توجهن للمدارس وقلت نسب زواج القاصرات، وأيضاً أصبح هنالك تنظيم للأسر وإعداد الأطفال المنجبة أقل حرصاً من الأهل على التعليم والتمكين وتوفير الحياة الملائمة لهم، إضافة إلى أن عمالة الأطفال قلت بشكل ملحوظ، والمنظمات أسهمت كثيراً في عودة الأطفال إلى التعليم والتوعية بكل الجوانب، لنرى في هذه السنوات الأخيرة أن هنالك أفكاراً تغيرت من جذورها، فمثلاً كان من الصعب إقناع الأهالي بأهمية العمل التطوعي للفتيات على عكس الآن فهم يؤمنون بأهميته ويشجعون السيدات والفتيات للتوجه له انطلاقاً من أن هذا العمل به الخير الجماعي، علاوة على أننا أصبحنا نشاهد مشاركة فاعلة للمرأة في العمل سواء بعملها مع المنظمات أو من خلال مشاريع منزلية من خلالها تحقق حلمها وتدعم عائلتها الصغيرة.

وتختم قائلة: كان عمل المنظمات في بادئ الأمر هو تأمين وسائل العيش الأساسية لنا من غذاء ودواء وغيره، ومع الوقت بدأت البرامج بالتوسع وأصبح اللاجئون منخرطين بهذه البرامج سواء الذكور أو الإناث، ومن هنا بدأت ظروف المرأة تتحسن وأصبحت تتنفس إذ وجدت لنفسها الوقت والظرف المناسب للتفكير بطموحها وذاتها، في الحقيقة السيدات في الزعتري قصص نجاح وفخر وعزيمة لا تنتهي.

ـــ عدد سكان مخيم الزعتري يقارب حالياً 77 ألف لاجئ يتوزعون على 26 ألف وحدة سكنية

ـــ يضم المخيم 1200 محل تجاري و11 مركزاً طبياً و32 مدرسة للإناث والذكور ومراكز تعليمية

ـــ في عام 2014 بعد افتتاح مخيم الزرقاء تمكنت عائلات الزعتري من استبدال الخيمة إلى كرفان

ـــ تحسنت أحوال المرأة في المخيم وتقلصت نسب زواج القاصرات وأصبح هنالك تنظيم للأسر

طباعة Email