يتبنى كل من الاتحادين الأوروبي والأفريقي، رؤية مشتركة لعام 2030، تم الاتفاق عليها خلال أعمال القمة السادسة التي جمعت الجانبين العام الماضي، وشهدت إطلاق «شراكة متجددة»، تشمل: قطاعات اقتصادية، وتنموية مختلفة، غير أن تلك التفاهمات تعترضها جملة تحديات مفصلية؛ وسط تعالي الأصوات المحلية داخل بلدان مختلفة في القارة السمراء، الرافضة لطبيعة ونمط العلاقات «غير المتوازنة» بين الجانبين، في تقديرهم.

فيما صاحبت الأحداث التي شهدتها النيجر منذ 26 يوليو الماضي، عديداً من الإشارات المماثلة، ضمن التحليلات السياسية، والاستراتيجية، المرتبطة بالتحديات التي يواجهها النفوذ الأوروبي - لاسيما الفرنسي على وجه الخصوص - بأشكاله المختلفة، في غرب ووسط أفريقيا تحديداً.

ومع ارتباط تلك الدول بالاقتصاد الفرنسي وفق اتفاقات مختلفة، في خطٍ متوازٍ، تصاحبها منافسة قوية مع أطراف أخرى، في مقدمتها: روسيا، التي تواصل المضي قدماً بثقلها السياسي، والاقتصادي، والتنموي في أفريقيا، بعثت رسائل «مقلقة» للقارة العجوز خلال القمة الروسية - الأفريقية في سان بطرسبورغ أواخر يوليو الماضي.

تستفيد موسكو من نظرة الأجيال الجديدة داخل القارة السمراء لطبيعة العلاقات مع الأطراف الإقليمية والدولية، ففي سياق الاعتقاد أن غالبية أوجه تلك العلاقات غير مبنية على أسس عادلة، ومتكافئة، ضمن مفاهيم التعاون الدولي الراسخة، إنما تصب بشكل واضح في مصلحة الجانب الأوروبي، الذي يحقق أقصى استفادة بحصوله على الخيرات الأفريقية، لاسيما المواد الأولية.

وبينما لم تستطع أفريقيا إلى حد كبير التخلص من أوجه «التبعية»، الاقتصادية، والسياسية، في عديد من دول القارة، فإن السؤال حول المستقبل، هو «سؤال متكرر» يعود للواجهة من جديد، في أعقاب التطورات في النيجر، والخسارات التي منيت بها فرنسا خلال السنوات الأخيرة في مستعمراتها السابقة، ومحاولة بعض الأطراف تصوير ما حدث من تطورات داخل بلدان - في غرب ووسط أفريقيا بشكل خاص - مثل: مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وغيرها، بوصفه موجة تحرر ثانية.

تبعاً لذلك، إلى أي مدى يمكن أن تحمل تلك التطورات تغييرات جذرية في علاقات دول القارة السمراء الخارجية؟ وأي مستقبل ينتظر «الشراكة المتجددة» مع أوروبا في هذا السياق؟ وما الانعكاسات السياسية، والاقتصادية، لموجات «التحرر» المذكورة إن صح التعبير؟ وهل تستطيع دول وسط وغرب أفريقيا فك الارتباط الاقتصادي بفرنسا خصوصاً، وبشكل كامل لصالح علاقات عادلة ومتوازنة؟ أم هل بوسع موسكو - الساعية لإيجاد منافذ، وقنوات جديدة، بعد العقوبات المفروضة عليها نتيجة الحرب في أوكرانيا - ملء الفراغ في دول أفريقية، بديلاً عن باريس؟

قارة غير متجانسة

بينما لا يمكن التعامل مع أفريقيا ككيان موحد مثل منطقة «اليورو»، في ضوء الاختلافات الواسعة بين دولها، وطبيعة العلاقات الإقليمية، والدولية، التي تنخرط فيها، فضلاً عن الأوضاع والظروف الداخلية، إلا أن ثمة مجموعة عوامل مشتركة بين عديد من الدول، بشكل خاص مجموعة دول غرب ووسط أفريقيا.

«أفريقيا قارة غير متجانسة، والنتيجة أن الموقف السياسي، والموقع الجيوسياسي الأفريقي، غير متجانس (..) لكنها تمثل جبهة واحدة تقدم تحدياً للعالم»، بحسب المستشار السابق في البرلمان الأوروبي، عبد الغني العيادي، الذي يصرح لـ«البيان» من باريس، إن القارة السمراء غنية بمواردها، واتساع أراضيها، تذهب أقطاب العالم إليها باعتبارها المستقبل، وعديد من القوى «تستثمر كل قواها حالياً لاستقطاب أفريقيا».

ويلفت العيادي في السياق نفسه، إلى أن القارة السمراء تدافع عن مصالحها، كذلك الدول العظمى، المهتمة بمصالحها في أفريقيا، تستعمل كل الطرق لتقوية العلاقات والحضور، من الصين، واليابان، إلى دول شرق أوسطية، ودول أوروبا، والولايات المتحدة.

فيما تواجه أوروبا تحديات واسعة على حلبة المنافسة، يعبر عنها الموقف الفرنسي الحالي، ما يشير إليه العيادي، بقوله «فرنسا تواجه انقلاباً في علاقاتها بأفريقيا.. لقد تغيرت طبيعة العلاقات، لأن النية الأفريقية مجتمعة على تصفية حقبة الاستعمار، وقطع أواصر «التبعية»، وفرض الاحترام والتقدير، وهذا ما تم إيصاله للرئيس الفرنسي كرسالة في آخر زيارة له لأفريقيا».

ويضيف «في ضوء التغييرات المتسارعة في أفريقيا، آخرها: الأحداث في النيجر، تسعى دول غرب ووسط أفريقيا بشكل خاص، نحو فك الارتباط الاقتصادي بفرنسا، وهو موقف تبنته الحركة التحررية في أفريقيا منذ زمن بعيد (..)»، مشدداً على أنه رغم المحاولات الجادة لفك الارتباط بفرنسا خصوصاً، إلا أن العلاقات الدولية هي علاقات متشعبة ومعولمة (..). هناك تهافت على أفريقيا في إطار حرب باردة، لم تعلن نفسها بشكل أوضح بعد.

عادة ما كانت محاولات الانقلاب المختلفة، التي شهدتها بعض الدول في تلك المنطقة، توظف مسألة النفوذ الفرنسي بشكل خاص، ذريعة أساسية، لمخاطبة الجماهير برؤى إصلاح اقتصادي مختلفة، ما يصنع زخماً في أوساط شعبية واسعة.

ويشير المستشار السابق في البرلمان الأوروبي، بشكل أساسي إلى «الدور الروسي»، موضحاً أن «موسكو تتبنى شعاراً أسسه الاتحاد السوفييتي، وهو مناصرة قضايا التحرر، وهو التحرر بمعناه العام.. وتتعامل ضمن استراتيجيتها لاستمالة الدول الأفريقية على أساس أن هناك ظلماً غربياً، وقع ولا يزال تعاني منه أفريقيا. وأن مهمة روسيا اليوم، تتمثل في الدفاع عن استقلالية الدول الأفريقية المنهوبة والمستغلة اقتصادياً، في اتهام واضح للقطب الغربي».

ويختتم العيادي تصريحاته «ربحت عديد من الدول الأفريقية رهان الاستقرار، وبناء دول ما بعد الاستعمار، فهي اليوم أمام فرصة للتحرر بذكاء، واستغلال الظرف الجيوسياسي الحالي، لخلق شروط تنمية اقتصادية بديلة، ومطلوبة عالمياً، كالطاقات المتجددة على سبيل المثال (..)».

وخلال الأعوام الماضية، مالت كفة الميزان التجاري بين دول الاتحاد الأوروبي وأفريقيا، بشكل لافت، لصالح الجانب الأوروبي، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين في 2020 - آخر البيانات المتاحة من قبل «يوروستات» في السياق -، 225 مليار «يورو» (124 ملياراً صادرات من الاتحاد الأوروبي لأفريقيا، و101 واردات دول التكتل من أفريقيا)، بتراجع 20 % عن 2019 (الذي سجل فيه حجم التبادل التجاري 281 مليار «يورو»)، نتيجة تداعيات جائحة «كوفيد 19».

ووفق ما تظهره البيانات المتاحة من 2010 ولغاية 2020، فقد تحول الفائض في الميزان التجاري، الذي حققته أفريقيا من 2010 حتى 2014 إلى عجز في السنوات اللاحقة، ليصل في 2020 إلى 23 مليار «يورو».

ارتباط وتبعية

رغم ما تبديه أفريقيا من مساعٍ للاستقلالية بشكل أكبر وفتح علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، إلا أن ثمة صعوبات تواجه ما يمكن وصفه بـ«فك الارتباط أو التبعية» مع أوروبا، بشكل خاص، فرنسا.

ففيما يخص دول وسط وغرب القارة، على المدى القريب، ينبه الباحث في العلاقات الدولية من باريس، توفيق قويدر، «البيان»، إلى جملة الصعوبات التي تواجهها القارة السمراء، منها: الاقتصاد الأفريقي «الهش، وغير المتطور» بالقدر الذي يحقق له الاستقلالية التامة، رغم توافر الثروات، والمواد الأولية والباطنية، كما أن البنية التحتية «غير مؤهلة» على سبيل المثال. وعليه، فإن فك الارتباط بهذا الشكل «غير ممكن».

علاوة على ذلك، العامل الاقتصادي في حاجة ماسة دائماً للاستقرار السياسي، والأمني، وهو الوضع غير المتوفر بالنسبة لعديد من دول أفريقيا ، التي ترزح تحت وطأة مؤسسات غير شرعية أو انقلابات متكررة (..)، وبالتالي - بحسب قويدر -، فإن المناخ الأمني، والسياسي، «غير مؤهل».

كما يلفت إلى أن دول وسط وغرب أفريقيا لم تجن ثمار التعاون مع فرنسا، بل إن باريس كانت المستفيد الأوحد، مستغلة ثروات تلك الدول، على سبيل المثال: فيما يخص النيجر، فإن فرنسا تعتمد بشكل كبير على واردات «اليورانيوم» منها لتزويدها بنحو 70 % من الطاقة الكهربائية، علاوة على بعض المواد الأولية التي تدخل في صناعات الطائرات، والحافلات، والسيارات، وغيرها.

ويعتقد أن ما يمكن وصفه بـ«فك الارتباط»، في إشارة للعلاقات غير المتوازنة بين الجانبين، يرتبط إلى جانب مدى قدرة البلدان الأفريقية على تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، بمحاور المنافسة الأخرى، مثل: روسيا والصين، الساعيتان إلى لعب دور أكبر، ومن مصلحتهما أن يكون هناك استقرار في أفريقيا، ما يدعم الاستثمارات، والعلاقات التجارية.

ويختتم قويدر حديثه «يمكن فك الارتباط - أو الخروج من دائرة العلاقات غير العادلة -، لكن على المدى البعيد، نسبياً، إذا تحققت الشروط المذكورة.. الأفارقة يرغبون بالتخلص من الهيمنة الفرنسية الاقتصادية والاستحواذ على ثروات بلدانهم (..)، بما يمكن من النهوض بالاقتصاد الأفريقي بمساعدة روسيا والصين، وربما تركيا بدرجة أقل».

«الفرنك الأفريقي»

ترتبط مجموعة من الدول الأفريقية في وسط وغرب القارة، بشكل أساسي، ارتباطاً وثيق الصلة بالاقتصاد الفرنسي، لاسيما مع إحكام باريس سيطرتها على العملة الرسمية لنحو 14 دولة، معروفة بـ«الفرنك الأفريقي»، سواء المعمول به في دول الوسط «الفرنك الوسط أفريقي»، ودول الغرب «الفرنك الغرب أفريقي».

كما فرضت فرنسا هيمنتها على تلك البلدان بعد حصولها على الاستقلال، بناءً على اتفاقات أتاحت لباريس الاحتفاظ بالاحتياطات النقدية لدول «الفرنك الأفريقي»، لدى المصرف المركزي، إلى أن تم خفض نسبة الاحتياطي المودع في «المركزي الفرنسي» إلى 50 % في 2005، وقبل الإعلان رسمياً في 2021، من 8 دول تتعامل بـ«الفرنك الغرب أفريقي»، تغيير اسم العملة إلى «الإيكو»، وتوقف باريس عن الاحتفاظ بالنسبة المذكورة من الاحتياطي في الخزانة الفرنسية، وبالتالي عدم تحكم فرنسا في العملة.

في هذا الصدد، يصرح المستشار الاستراتيجي، المحلل السياسي، المهتم بمنطقة الساحل والصحراء، الإيطالي دانييلي روفينيتي، لـ«البيان»، إن قضية «فرنك CFA»، أو «الفرنك الأفريقي»، مثيرة للجدل إلى حد كبير، ومليئة بتغيير الحقائق، ما أدى إلى إحداث فصل بين العقد الاجتماعي في الدول المعنية. وهذا يعني أن الناس في هذه الدول، فقدوا الثقة في النظام الاقتصادي، والاجتماعي القائم، كما تصاعدت التوترات، بسبب هذه القضية المثيرة للجدل.

ويرى روفينيتي أن «فرنسا فشلت في ممارسة الهيمنة الاقتصادية التي كان من الممكن أن تتمثل في مساعدة تنموية، عوضاً عن ذلك، تماماً كما فشلت في إنشاء إطار أمني مستقر»، موضحاً أن منطقة وسط وغرب أفريقيا، تشكو انعدام الأمن، وتحاصرها المصاعب المالية، فيما تثقلها الآثار الشديدة الناجمة عن تغير المناخ.

إلى ذلك، أدت الأزمة المتعددة تلك، جنباً إلى جنب مع الرغبة في البقاء (أو الاستيلاء) على السلطة من قبل بعض اللاعبين السياسيين في هذه البلدان، إلى زعزعة الاستقرار وتكرار الانقلابات، بحسب روفينيتي، الذي يوضح أن «المشكلة أكثر تعقيداً بكثير من مجرد «فرنك CFA»».

فـ«المشكلة الأمنية، التي تلقي بثقلها على فشل المنطقة في التطوير، ثمة حاجة ماسة إلى إصلاحات هيكلية عميقة (تعالج مواطن الخلل في الاقتصادات)، كما يبقى الاستقرار مطلباً ملحاً حتى نتمكن من القيام بها».