أسس ضابط الاستخبارات الروسي السابق ديمتري أوتكين، شركة "فاغنر" في عام 2014 على اسم الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر (1813-1883) الذي يعشق موسيقاه.

ظهرت فاغنر لأول مرة بالمشهد العام في شرق أوكرانيا في مارس 2014.

نشطت فاغنر في جزيرة القرم ودونباس ولوهانسك، وخاضت معارك ضارية ضد القوات الأوكرانية. ورصد جهاز الاستخبارات الأوكرانية (SBU) في فبراير 2015 مكالمات هاتفية بين أوتكين وأوليج إيفانيكوف أحد كبار ضباط الاستخبارات العسكرية الروسية بخصوص التقدم المحرز في الأنشطة العسكرية في شرق أوكرانيا.

مع تراجع القتال في أوكرانيا، نُقل عناصر فاغنر في عام 2015 إلى قاعدة تدريب سرية في مولينكو بمنطقة كراسنودار جنوب روسيا.

ظل أوتكين يقود فاغنر عسكرياً في حين بدأ دورها يتوسع بمرور الوقت في سوريا، حيث استفاد عناصرها من القواعد العسكرية الروسية والشبكات اللوجستية الموجودة هناك.

في تلك الآونة برز دور رجل الأعمال يفجيني بريغوجين كممول ورئيس لفاغنر، وانحصر دور أوتكين في جانب القيادة الفنية والميدانية. ومن اللافت أن بريغوجين ليست له أي خلفية عسكرية أو أمنية.

وتذكر المعلومات المتوافرة عنه أنه بعد قضائه فترة في السجن بتهمة السرقة والاحتيال في أواخر الحقبة السوفييتية، أصبح يدير مطاعم راقية في مدينة سانت بطرسبرغ التي عمل فيها بوتين. 

وبحلول منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد استضافته لبوتين في مطاعمه، بدأ بريغوجين يشق طريقه إلى دائرة الرئيس، ليتمكن في نهاية المطاف من أن يصبح متعهدا لتوريد الطعام إلى الكرملين ويشتهر بلقب "طباخ بوتين". ثم توسع نشاطه ليشمل توريد الطعام إلى الجيش والشرطة والمدارس والمرضى في المستشفيات مقابل مدفوعات ضخمة تقدر بما لا يقل عن 3 مليارات دولار.

تمويل بريغوجين لفاغنر وفر عدة مزايا للكرملين، حيث أصبحت تحت يده قوة رديفة، واستخدمهم في دول تشهد صراعات من سوريا إلى أفريقيا.

عناصر 

أجواء السرية المحيطة بفاغنر تجعل من الصعب تحديد هوية أعضائها وعددهم الإجمالي وقدراتهم بشكل دقيق. فمعظم المتوافر عنهم يعود إلى تحقيقات استقصائية لصحافيين روس. وتشير تلك التحقيقات إلى أن عدد عناصر فاغنر المتعاقدين حالياً في أوكرانيا وحدها نحو 10 آلاف عنصر، إضافة إلى 40 ألف مقاتل من السجون الروسية بحسب تقرير أمريكي، يقضون بقية عقوبتهم في العمل لدى الشركة بمقابل. (معظمهم من أصل روسي وقوزاق، وقلة من أوكرانيا وأرمينيا ومولدوفيا وجورجيا وروسيا البيضاء).

ومن خلال شبكات العلاقات للعسكريين السابقين يتم ترشيح أفراد يذهبون إلى قاعدة فاغنر في جنوب روسيا للاختبار، وفي حالة الموافقة على تجنيدهم، يوقعون عقودا قصيرة الأجل قابلة للتجديد لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر. وتتراوح أعمار المقاتلين من أوائل العشرينات إلى منتصف الخمسينيات. وينخرط أغلب عناصر فاغنر في العمل بدافع جني الأموال حيث يحصلون على أجور أعلى مما يدفعه الجيش الروسي، ففي حين بلغ متوسط أجر عناصر فاغنر شهرياً في عام 2017 قرابة 240 ألف روبل، بلغ  متوسط أجر الجندي في الجيش الروسي 39 ألف روبل. ورغم أنه تُحَرك بعض عناصر فاغنر دوافع قومية فلا توجد عقيدة أيديولوجية واضحة تحرك عناصر الشركة ككل.

حظر روسي

الشركات العسكرية الخاصة غير مقننة في روسيا بموجب المادة 359 من القانون الجنائي الروسي لعام 1996 والذي يُعرّف "المرتزق" على أنه "شخص يعمل بغرض الحصول على مكافأة مادية دون أن يكون من مواطني الدولة التي يشارك في نزاعها المسلح أو في الأعمال العدائية الجارية على أراضيها، ولا يقيم بشكل دائم ضمن إقليمها، أو يقوم بواجباته الرسمية فيها".

حاول عدد من أعضاء مجلس النواب الروسي بداية من عام 2009 تمرير تشريعات تقنن عمل الشركات العسكرية لكنها لم تحظ بالموافقة. وفي مارس 2018 رفض مجلس الوزراء الروسي (بما في ذلك وزارات الدفاع والعدل والمالية، الحرس الوطني، وجهاز الأمن الفيدرالي، وجهاز الاستخبارات الخارجية، والمدعي العام) النظر في إضفاء الشرعية على فاغنر أو الشركات العسكرية الخاصة الأخرى، بداعي أن سلوك "المرتزقة" ينتهك الدستور الروسي وأن الدولة وحدها هي المسؤولة عن الدفاع والأمن.

فشل 

في ظل تنامي أنشطة فاغنر في القارة الأفريقية فضلاً عن أوكرانيا وروسيا وما يمثله ذلك من زيادة للنفوذ الروسي سياسياً واقتصادياً وتجارياً وعسكرياً، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في 20 يونيو 2017 عقوبات ضد فاغنر ومؤسسها دميتري أوتكين.

كما اتهمت وزارة العدل الأمريكية في 2018 قائدها العسكري يفغيني بريغوجين بالتدخل في الحملة الرئاسية الأمريكية لعام 2016 عبر تمويله حملات تضليل على وسائل التواصل الاجتماعي تدفع باتجاه انتخاب دونالد ترامب. 

وفي ظل عدم نجاح فاغنر في تغيير معادلات الصراع لصالح رعاتها في عدة ساحات مثل موزمبيق والسودان وأفريقيا الوسطى وليبيا، يرى مراقبون بأنها غير قادرة على شن عمليات كبيرة ذات أبعاد استراتيجية، وستبقى ذراعاً رديفاً للقوات العسكرية يرقص على أنغام أي حرب تخوضها روسيا.