بعد انقطاع دام 13 عاماً، زار وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، كينيا الأسبوع الماضي، ضمن محطة جديدة ضمن جولاته الأفريقية الممتدة منذ منتصف العام الماضي، وذلك قبل انعقاد قمة روسية أفريقية مرتقبة يوليو المقبل. وتحمل الزيارات الروسية إلى العديد من دول القارة مجموعة من الدلالات والرسائل، في إطار سعي موسكو لتعزيز تعاونها مع دول القارة، وهي ساحة تشهد منافسة حامية بين القوى الكبرى، وفي وقت يحاول الروس كسب المزيد من الحلفاء.
وتتبنى روسيا عقيدة علاقات خارجية جديدة سبق وأعلنتها للعالم، تحظى فيها العلاقات مع أفريقيا بمكانة واضحة، طبقاً لما يؤكده لـ«البيان» خبير الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، والذي يشير إلى أن «موسكو ترى في تحالفاتها مع شرق العالم وجنوبه أولوية، وتسعى للتعامل مع القارة في إطار علاقات تشاركية مبنية على أساس المصالح المشتركة والتكافؤ والندية واحترام السيادة».
ويشير إلى أن زيارة لافروف إلى نيروبي تأتي في إطار جولة تتم على مراحل في القارة، تستهدف نقاطاً معينة وضعت بمنهجية واضحة لتعزيز وجود موسكو في القارة، وهو الوجود القديم الجديد، موضحاً في الوقت نفسه أن «روسيا تسعى في إطار الصراع الدولي القائم إلى استمالة أفريقيا، بينما التحدي الذي يواجهها في ذلك هو أن القارة ليست موحدة، وذات توجهات مختلفة، وبالتالي تسعى موسكو لاستمالة العدد الأكبر من الدول، أملاً في مزيد من الدعم السياسي بالمؤسسات الدولية وكذلك في علاقات اقتصادية وعسكرية واستراتيجية خاصة مع الدول التي تتمتع بمزايا استراتيجية».
تمهيد كبير
وتأتي تلك القمة قبل المنتدى الروسي الأفريقي يوليو المقبل. ويقول زهدي إن «لافروف من خلال هذه الزيارات يسعى لإجراء تمهيد كبير على الأرض ووضع تصور لشكل القمة التي تريد موسكو من خلالها الخروج بنتائج غير مسبوقة، بينما لا يغيب عن ذهنها القمة الأمريكية الأفريقية العام الماضي، والتي كانت هي الأخرى غير مسبوقة من حيث الشكل والمضمون والنتائج».
وتسعى موسكو من خلال هذه القمة للخروج بأكبر قدر من التوافق الرؤى والأهداف، وربما دعم اقتصادي قوي للقارة الأفريقية، في إطار تحول العالم إلى معسكرين (شرقي وغربي). ويعتقد خبير الشؤون الأفريقية بموازاة ذلك بأن الجانب الروسي يحاول إخراج العديد من دول القارة من حالة الحياد التي تحافظ عليها على اعتبار أنها تصب في مصلحة التنمية فيها من خلال عدم الرغبة في خسارة أي من الحلفاء.
سبقت الجولة الروسية الحالية في أفريقيا ثلاث جولات، أولاها يوليو الماضي، عندما زار لافروف كلاً من مصر وإثيوبيا وأوغندا وجمهورية الكونغو، وبعد ستة أشهر، توجه إلى جنوب أفريقيا وإسواتيني وأنجولا وإريتريا، وفي فبراير الماضي زار مالي وموريتانيا والسودان.
ثالوث التحديات
وعززت مواقف عدد من الدول الأفريقية إزاء الحرب في أوكرانيا من التوجه الروسي نحو القارة، وهو ما يؤكده في تصريحات لـ«البيان» نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، صلاح حليمة، الذي يرى أن «الجولات الروسية الأخيرة جاءت على خلفية موقف دول أفريقية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، امتنعت عن التصويت على قرارات ضد موسكو، وبالتالي يُنظر إلى التحرك الروسي بما في ذلك منتدى يوليو، على أنه خطوة لكسب المزيد من التأييد والدعم للموقف الروسي».
ويضيف: «كما تستهدف روسيا تعزيز الشراكة القائمة مع دول القارة، لا سيما في ظل ثالوث التحديات الخطير الذي يواجه دولها (تبعات كورونا والحرب في أوكرانيا وتغير المناخ) ومع تكالب الأقطاب الدولية على القارة التي تتمتع بموارد طبيعية وثروات».
ويشدد حليمة على أن المقاربات الحالية المرتبطة بأفريقيا - بما فيها المقاربة الروسية - لا تخلو من نوع من الشراكة المتوازنة التي تراعي ظروف القارة نتيجة لهذه الظروف التي تعاني منها، وكذلك الأوضاع الاقتصادية بما في ذلك أزمة الديون المتفاقمة، مختتماً تصريحاته بالإشارة إلى أن موسكو تنافس في هذا السياق تحركات قوى دولية داخل القارة، على رأسها الولايات المتحدة والصين، وكذلك تحركات قوى إقليمية.
