يزور وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، الصين، يونيو الجاري، في أحدث مؤشر على مساعي البلدين لتحقيق استقرار نوعي في علاقاتهما، التي أخذت منعطفاً خطيراً من التصعيد المتبادل. وفي سياق «الحرب التجارية» الضروس بينهما، وتصنيف واشنطن «المارد الصيني» بأنه «التحدي الجيوسياسي الأكثر أهمية للولايات المتحدة».

سبق زيارة بلينكن المرتقبة إلى بكين عددٌ من المؤشرات ذات الصلة بمساعي «إذابة الجليد» بين البلدين -يقول عنها محللون، إنها تستهدف إحداث تحسّن تكتيكي طفيف في العلاقات-، تمثلت في اتصالات مكثفة خلال الأسابيع الأخيرة، بينها رحلة «سرية» بدعوة من الصين، كشفت بعض تفاصيلها صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية، أجراها مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، بيل بيرنز، مايو الماضي، ليكون بذلك أكبر مسؤول في إدارة الرئيس جو بايدن يزور بكين.

كما التقى مسؤولان بالخارجية الأمريكية، ومجلس الأمن القومي، مع نظرائهما في بكين، هذا الأسبوع، في مباحثات وصفوها بـ«المثمرة، والصريحة»، استهدفت «تحسين العلاقات».

والأسبوع الماضي، أجرى مستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان، محادثات لمدة يومين في فيينا مع كبير مسؤولي السياسة الخارجية في الصين. في وقت يتم فيه «ترتيب اتصال هاتفي بين الرئيسين الأمريكي والصيني لخلق حالة من الزخم».

ومن المؤشرات ذات الصلة، لقاء وزيري التجارة بالبلدين في واشنطن، فضلاً عن لقاء الوزير الصيني نفسه، المسؤول التجاري الأمريكي، كاثرين تاي، في منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في ديترويت.

تشير هذه العوامل إلى تقدم جديد على مسار إعادة إقامة علاقات رفيعة المستوى بين البلدين، لاسيما بعد اتفاق الرئيسين الأمريكي والصيني، خلال «قمة العشرين» في بالي (نوفمبر 2022) على السعي لتأسيس أرضية مشتركة للعلاقات، قبل حادثة «المنطاد الصيني» في 28 يناير 2023، الذي دخل المجال الجوي الأمريكي، وتسبب في توترات دبلوماسية.

لكنّ الاتصالات الأخيرة تشير إلى تجاوز «أزمة المنطاد»، وترقب البلدين لـ«إذابة الجليد»، الأمر الذي أكده بايدن، خلال «قمة السبع» مايو الماضي.

وينظر مراقبون لتلك المؤشرات باعتبارها ضمن سياسة «العصا والجزرة»، التي تتبعها الولايات المتحدة، وهو ما يؤكده رئيس مركز التحرير للدراسات والبحوث، المتخصص في الشؤون الصينية، عماد الأزرق، الذي صرح لـ«البيان»، أن واشنطن عادة ما تستخدم تلك السياسة في علاقاتها الخارجية، من خلال تقديم تسهيلات وعروض وحرص على استقرار العلاقات من ناحية، وممارسة أشكال مختلفة من الضغط من ناحية أخرى.

ويضيف: «تمارس الولايات المتحدة بشكل كبير هذه السياسة عبر مشاركتها بالمناورات في محيط الصين، أو من خلال التعاون مع كوريا، وغيرها من الأمور (..)، بينما تدفع في الوقت نفسه بوزير خارجيتها لبحث التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين، لتبدو أمام العالم باحثة عن فرص للتعاون».

ويعتقد بأن «الصين حريصة على ألا تتعاطى إيجابياً مع المقترحات التي تقدمها الولايات المتحدة، لاسيما في التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري، ثم ترحب على لسان مسؤوليها بهذه اللقاءات».

بينما يشير خبير العلاقات الدولية، الدكتور أيمن سمير، في تصريح لـ«البيان»، إلى أن محاولة الاتصال بين البلدين «الهدف منها ألا تكون هنالك قناعات خاطئة، وأن يكون هناك استمرار للخطوط الساخنة، لأن غيابها يؤدي لتلك القناعات والحسابات غير الصحيحة»، مشدداً على أن الولايات المتحدة لا تريد الدخول في نزاع كبير مع الصين.

ويعتقد بأن الزيارة السرية لمدير وكالة المخابرات المركزية إلى الصين، ثم زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكي، والحديث عن زيارة بلينكن «تؤكد أن البلدين يمكنهما كسب مساحة مشتركة، ليست كبيرة، إنما كافية لعدم الانسياق لحافة الهاوية والانطباعات الخاطئة، وهذا ما ينطبق على تصريحات بايدن الذي تحدث عن عوامل تحسّن العلاقات».

وتبعاً لذلك، من المتوقع أن يكون هناك نوع من «التحسن الطفيف والتكتيكي»، لا سيما وأن العوامل على الأرض تشير إلى زيادة وتيرة التنافس، ويشرح الخبير سمير، خمسة عوامل أساسية، هي: توسع واشنطن في بناء القواعد العسكرية في محيط الصين، وزيادة الاستثمار الأمريكي في تخويف الدول الآسيوية من الصين، واستثمار الولايات المتحدة في إشاعة التوتر في منطقة الـ«إندو-باسيفيك»، ومحاولة الولايات المتحدة جذب الهند لتكون في حالة عداء دائم مع الصين، ذلك بخلاف الدعم الأمريكي لتايوان.