يعول الأتراك على الحكومة الجديدة، التي تضم 17 وزيراً (من بينهم 15 وزيراً جديداً)، في إحداث تغيرات ملموسة على أرض الواقع في كثيرٍ من الملفات الأساسية، ولا سيما الملف الاقتصادي في ظل جملة التحديات والضغوط التي تفرض نفسها على المشهد داخل تركيا، بعد عدد من الصدمات المتتالية بدءاً من جائحة كورونا وتداعيات الحرب في أوكرانيا بعد ذلك، والضغوط الاقتصادية الناجمة عن زلزال السادس من فبراير الماضي.
عززت تطلعات الأتراك الإيجابية للمرحلة المقبلة عودة الوزير السابق محمد شيمشك، لحمل حقيبة وزارة المالية في التشكيل الحكومي الجديد، وهو ما يدفع بتوقعات بتغيرات في السياسات الاقتصادية في المرحلة المقبلة إذا ما أفسح المجال له، لا سيما أن الاقتصاد التركي اتبع خلال السنوات الأخيرة سياسة غير تقليدية مبنية على أساس خفض معدلات الفائدة.
ضغوط اقتصادية
يقول الكاتب والباحث التركي محمد زاهد غول، في تصريحات خاصة لـ«البيان» إنه من المعلوم أن تركيا تمر بأزمة اقتصادية منذ قرابة السبع سنوات، وكانت هنالك وعود انتخابية قبيل انتخابات 2018 من جانب الرئيس أردوغان بإصلاحات اقتصادية وإصلاح الخلل الاقتصادي، لكن الواقع الفعلي جاء مغايراً، لا سيما مع تحديات كورونا لاحقاً، وقد دخلت تركيا في أتون أزمة اقتصادية مباشرة، وقد فقدت الليرة أكثر من 75% من قيمتها خلال الثلاث سنوات الأخيرة، مع إشكاليات كبيرة في بنية الاقتصاد التركي.
ويعتقد بأن «عودة شيمشك في ظل هذا المشهد، لا شك أنها مبشرة، ويُمكن أن يقال إن الحكومة الجديدة حكومة كفاءات.. لكن السؤال: هل يستطيع وزير المالية فعلياً أن ينفذ السياسات الاقتصادية التي يراها هو، أم أن ثمة تحديات كبيرة داخل الحكومة؟».
ويوضح أنه إذا ترك شيمشك لرسم خارطة الاقتصاد التركي «أعتقد بأن تركيا بمؤهلاتها ومقوماتها الاقتصادية ومزيد من التقشف نسبياً في النفقات الحكومية وتقليل العجز القائم يمكن أن تصل إلى بر الأمان خلال سنتين أو ثلاث»، مشدداً على أن الوزير الجديد الذي يعرف مكمن الخلل وليس غريباً عن هذه الوزارة «لا يملك عصا سحرية لتغيير الخلل القائم، ويحتاج إلى وقت ومزيد من الصلاحيات».
شغل الوزير هذا المنصب سابقاً من 2009 وحتى 2015 في حكومتي أردوغان وأحمد داوود أوغلو. ويحظى بقبول لدى قطاع عريض من الشعب التركي.
سياسات جديدة
من جانبه، يقول الكاتب والباحث في الشأن التركي، محمود عثمان، في تصريحات خاصة لـ«البيان» إن عودة محمد شيمشك، لشغل منصب وزير المالية، سوف تؤدي إلى سياسات جديدة «لكن من غير المتوقع أن تكون هناك تغييرات دراماتيكية كبيرة في توجه الاقتصاد التركي الذي أخذ منحنى معيناً منذ ما يزيد عن 20 عاماً من حكم العدالة والتنمية».
لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى ضرورة أن تكون هنالك تغييرات «جديّة» للتعامل مع التحديات الراهنة التي يواجهها الاقتصاد التركي وسوف نشاهد ربما أداءً مختلفاً عن المرحلة السابقة. ويوضح أن شيمشك كان قبوله للمنصب مشروطاً بعد مباحثات له مع الرئيس التركي.
وتبنت تركيا سياسة غير تقليدية، مُخالفة اتجاهات البنوك المركزية حول العالم، وذلك من خلال الإصرار على خفض أسعار الفائدة لتنشيط الاقتصاد، وهي السياسة التي قوبلت بانتقادات من عديد من المؤسسات المالية الدولية.
وبحسب عثمان، فإن التحدي الأول الذي يواجه الإدارة المالية الجديدة في تركيا يتمثل في معضلة التضخم التي عرفتها البلاد بشكل حاد بعد جائحة كورونا، وبما أحدث نوعاً من عدم التوازن في الأداء الاقتصادي، مع ارتفاع كبير في الأسعار مقابل ركود نسبي في حركة العمل.
وتشير البيانات الرسمية إلى تراجع معدل التضخم السنوي في تركيا إلى ما دون 40% في شهر مايو، لأول مرة منذ 16 شهراً. وكانت معدلات التضخم قد بلغت مستوى قياسياً لم تصله طيلة ربع قرن العام الماضي، عندما سجلت 85.5% في أكتوبر.
وقد عبّر شيمشك في أول تصريحاته بعد توليه منصبه الجديد عن أن هدفه الرئيس التصدي لارتفاع معدلات التضخم والنزول بها إلى خانة الآحاد كأولوية رئيسة.
ويضيف الكاتب والباحث في الشأن التركي، إلى تلك التحديات أيضاً التحدي المرتبط بمعدلات البطالة، في ظل وجود فقر كبير في العمالة المدربة مقابل ارتفاع في نسب البطالة. ومن التحديات الرئيسة كذلك أزمة المسكن وارتفاع إيجارات البيوت بشكل مفاجئ وكبير، فضلاً عن التحديات المتعلقة بفتح أسواق جديدة، وغيرها من التحديات الأساسية التي تنتظر شيمشك ونائب الرئيس جودت يلماز، الذي هو شخصية اقتصادية مرموقة.
