القصف الصاروخي الروسي على كييف فجر أمس، بصواريخ مجنحة، أخذ طابعاً نادر الحدوث، وربما غير مسبوق منذ بدء الحرب في أوكرانيا، ما دفع العديد من المراقبين للبحث عن السبب وراء تكثيف روسيا قصفها للعاصمة الروسية، فضلاً عن بقية مدن البلاد في الآونة الأخيرة.
الجيش الروسي استبق الهجوم الصاروخي بهجمات عبر كمية لافتة من الطائرات المسيرة لليلة الثانية على التوالي وللمرة الخامسة عشرة خلال مايو.
بالعودة إلى كييف، كانت العاصمة حديث الأخبار في بداية العملية العسكرية الروسية في فبراير 2022، حيث وصلت القوات الروسية إلى تخومها قبل أن تنسحب بعد سلسلة مفاوضات في بيلاروسيا وتركيا، حيث كانت الأمور تتجه لتوقيع اتفاق، كما قالت موسكو، قبل أن تتهم الغرب بتحريض كييف على التراجع، ليتغير مجرى الصراع على نحو مختلف كلياً بعد ذلك.
محللون في الغرب اعتبروا، وما زالوا يكررون، أن الانسحاب من تخوم كييف مثّل فشلاً لموسكو التي «توقعت» -بحسب هؤلاء- أن تكون الحرب سريعة وخاطفة، لكنها تحولت لحرب استنزاف. لكن وبشكل موضوعي، ما من أحد في القيادة الروسية أعلن عن خطة أو جدول زمني، لذلك يبقى هذا في رأس مجموعة عسكرية وأمنية وسياسية محيطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
حرب طويلة
وعلى العموم، بات كثير من المسؤولين والمحللين -على النقيض من البدايات- يقولون إن روسيا تريدها حرباً طويلة، وهذا استنتاج معقول، بالنظر إلى أنها بالمسمى الروسي «عملية عسكرية خاصة لحماية سكان دونباس»، لكنها في الواقع حرب مع الغرب تخطيطاً وتسليحاً معلنين، ولا يبقى سوى المشاركة البشرية المباشرة، وهو أمر تعلن كل دول حلف الناتو أنها ليست معنية به.
في هذه الأيام، عادت كييف إلى الواجهة عبر تعرضها المتكرر للهجمات بالمسيّرات والصواريخ «عالية الدقة». يوم أمس أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الضربات استهدفت منشآت عسكرية في جميع مطارات أوكرانيا، ومنها مطار عسكري بمدينة خميلنيتسكي على حدود رومانيا، وهي الضربة الثانية هذا الشهر لنفس الموقع. أوكرانيا أكدت الهجوم والموقع المستهدف، واعترفت بتفجير مستودعات وقود وذخيرة.
يتضح بالقرائن، أن الضربة لأوكرانيا والرسالة للغرب الذي يتصاعد تسليحه لكييف كماً ونوعاً ومدى، وفي الذروة يجري الحديث عن مقاتلات «إف - 16» الأمريكية، والبدء بتدريب الطيارين الأوكرانيين، الأمر الذي اعتبرته روسيا بلسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف «لعباً بالنار».
في السياق نفسه، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن إسقاط صواريخ «ستورم شادو» التي حصلت عليها كييف مؤخراً من بريطانيا، وسبق ذلك القصف الروسي الذي أصاب منظومة باتريوت الأمريكية للدفاع الجوي.
محمولة جواً
من الواضح، والحالة هذه، أن روسيا تبعث للغرب رسائل محمولة على الصواريخ المجنحة بأن الأسلحة التي يرسلها لأوكرانيا يجري تدميرها أولاً بأول. ومن اللافت في هذا السياق، الهجوم المكثف بالمسيرات الذي يتبعه هجوم صاروخي، وهذا التكتيك استخدم في تدمير منظومة الباتريوت، حيث بدأت مجموعة كبيرة من المسيرات هجوماً، ثم جاءت صواريخ كاليبر وأصابت المنظومة. وبحسب خبراء، فإن روسيا ترسل المسيرات رخيصة الثمن لتفرض على كييف استهلاك الصواريخ المضادة في الموقع المعني، وتخفيف فعالية مقاومة الصواريخ بعيدة المدى وعالية الدقة المكلفة، ولضمان أن تصيب أهدافها.
لكن يبقى اللافت أيضاً، أن روسيا ليست معنية بفعل ما من شأنه أن يؤدي لانهيار بنية الدولة في أوكرانيا، لذلك لم تستهدف منشآت مركزية حساسة، مثل وزارتي الدفاع والداخلية والقيادة العامة للجيش والأمن وما في حكمها، ذلك أن موسكو تريد بقاء عنوان رسمي يوقع معها الصيغة المطلوبة لنهاية الحرب.. ما هي هذه الصيغة؟ من الصعب التكهن، لأن الميدان هو الذي سيكتبها.
