انتخابات تركيا، التي جرت أمس، لم تحدد فقط من يقود البلاد، بل طريقة حكمها، وإلى أين يتجه اقتصادها، ومسار سياساتها الخارجية، من خلال نتائج هذه الانتخابات التي جرت بعد ثلاثة أشهر من وقوع زلزال مدمر في جنوب شرق تركيا أودت بحياة أكثر من 50 ألفاً.
لقد بدا واضحاً من هذه العملية أن رجب طيب أردوغان هو أقوى زعيم للبلاد منذ أسس مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية التركية الحديثة قبل قرن من الزمان. لكن أردوغان وحزبه العدالة والتنمية أبعدا البلاد عن نهج أتاتورك العلماني. ويقول منتقدوه إن حكومته كممت أفواه المعارضة وقوضت الحقوق وأخضعت النظام القضائي لنفوذها، وهو اتهام ينفيه المسؤولون الذين يقولون إنها وفرت الحماية للمواطنين في مواجهة تهديدات أمنية من بينها محاولة انقلاب عام 2016.
ويقول أردوغان، إن التصويت لصالحه سيضمن الاستقرار بعد أن حصل تحالفه على أغلبية برلمانية. وكان الصراع التركي المستمر منذ أربعة عقود مع حزب العمال الكردستاني عاملاً مهماً في الحملة الانتخابية، إلى جانب دور الأحزاب السياسية الكردية الرئيسية.
وأدى شراء أردوغان لأنظمة دفاع جوي روسية إلى فرض عقوبات أمريكية على أنقرة استهدفت صناعة الأسلحة، في حين أثار قربه من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتقادات بخصوص التزام أنقرة إزاء حلف الناتو، باعتبارها عضواً فيه. ومع ذلك، توسطت تركيا في اتفاق سمح بتصدير الحبوب عبر البحر الأسود، ما يشير إلى دور ربما يلعبه أردوغان ضمن الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
وعود المعارضة
في مواجهة التحالف الذي يقوده أردوغان، تحالف حزبا المعارضة الرئيسيان، حزب الشعب الجمهوري العلماني والحزب الصالح القومي المنتمي ليمين الوسط، مع أربعة أحزاب أصغر على أساس برنامج من شأنه إلغاء الكثير من السياسات التي اتسم بها حكم أردوغان. وتعهدت هذه الأحزاب بإعادة استقلال البنك المركزي والتخلص من سياسات أردوغان الاقتصادية غير التقليدية. كما وعدت المعارضة بإلغاء النظام الرئاسي والعودة للنظام البرلماني السابق، فضلاً عن إعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم.
وأكدت هذه الأحزاب عزمها تحسين العلاقات مع الحلفاء في الغرب بما في ذلك الولايات المتحدة، وإعادة تركيا إلى برنامج طائرات «إف 35» المقاتلة الذي استُبعدت منه بعد شراء الدفاعات الصاروخية الروسية، «على أمل» أن يؤدي ذلك إلى تحفيز الاستثمار الأجنبي.
وسعياً وراء الدعم من الناخبين القوميين في جولة الإعادة، زاد كليتشدار أوغلو من حدة نبرته المناهضة للمهاجرين في الأسبوعين الماضيين وتعهد بإعادة المهاجرين إلى بلادهم.
لكن يبدو أن العامل الحاسم في الانتخابات بجولتيها، هو سعي الأتراك للاستقرار، وهو كلمة السر التي اشتغل عليها أردوغان وأنصاره.
