ما انفكت المنافسة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين تتسع بأشكال مختلفة على الصعد كافة، فبينما بزغت بشكل لافت من خلال الحرب التجارية بين البلدين فإن صراعاً مختلفاً يدور على الساحة الدبلوماسية الدولية، حيث تزاحم بكين واشنطن في أدوار «الوساطة»، بل وتنجح في تحقيق اختراقات إيجابية في هذا الصدد، تعزز الحضور الدولي للتنين الصيني.
دأبت الصين خلال الفترات الأخيرة على وجه الخصوص على تقديم نفسها «وسيطاً» لحلحلة عديد من الأزمات على الساحة الدولية، وبما عدّه مراقبون ضمن الخطوات الرامية إلى التأسيس لـ«عالم متعدد الأقطاب»، ومزاحمة الولايات المتحدة الأمريكية في مناطق نفوذها، كونه ملمحاً بارزاً من ملامح المنافسة بين البلدين صاحبي أكبر اقتصادين على مستوى العالم.
سجلت الأسابيع الأخيرة حضوراً صينياً مميزاً في ملف «الوساطة الدبلوماسية» عندما نجحت بكين في التدخل لإعادة العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران.
الحضور الصيني الثاني اللافت في ملف الوساطة، كان من خلال طرح مبادرتها لوقف الحرب في أوكرانيا، وهي المبادرة التي خلقت زخماً واسعاً وبصيص أمل لإنهاء الحرب الدائرة منذ أكثر من عام، رغم التشكيك الأوروبي والأمريكي في مدى اعتبار بكين «وسيطاً يمكن الاعتماد عليه» بالنظر إلى العلاقات الصينية- الروسية.
قوة دولية
رئيس مركز التحرير للدراسات والبحوث، عماد الأزرق، يقول لـ«البيان»: «إن السياسة الخارجية الصينية شهدت تغيراً كبيراً، لا سيما منذ انعقاد المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي في أكتوبر الماضي، والذي وضع الأطر الجديدة للسياسة الصينية، خلال السنوات العشر المقبلة، والتي تمهد للعب الصين دوراً دولياً محورياً يمهد لبروز الصين قوة دولية ولاعباً سياسياً مؤثراً، خصوصاً بعد أن شهد الدور الصيني انتقادات حادة في السنوات الماضية، باعتبار أن تركيز بكين انصب على على الجوانب الاقتصادية، بعيداً عن الجوانب السياسية، وبعيداً عن القيام بدور بالنظام الدولي، وهو ما يشهد تغيراً كبيراً في الساحة الخارجية الصينية».
ويضيف خبير الشؤون الصينية: «الصين تدشن مرحلة جديدة في النظام الدولي الجديد تقوم على التعددية القطبية، وتمهد لبروز قوة جديدة خاصة من خلال تحالفها مع روسيا، تركز بكين على القيام بدور خصوصاً فيما يتعلق بدعم القضايا في الدول النامية، وكذلك محاولة تبريد المناطق التي تسعى الولايات المتحدة لتأجيج الصراع فيها، إضافة إلى محاولة الوجود في مناطق النفوذ الأمريكي، رداً على سعي واشنطن للوجود في المحيط الإقليمي للصين».
التعددية القطبية
عملت الصين خلال السنوات الماضية على بناء القوة الاقتصادية، وهي الآن تنطلق نحو لعب دور سياسي محوري في النظام الدولي الجديد، الذي تدعو له، والذي يقوم على التعددية القطبية، بما يحقق ما يعرف بالإنصاف والعدالة كما تقول الصين.
الخبير في الشؤون الصينية، نائب رئيس الطبعة العربية لمجلة الصين اليوم، حسين إسماعيل، يقول لـ«البيان»: إن «الجهود التي تقوم بها الصين في الفترة الأخيرة تتسق مع مبادرتي السلام والأمن العالميين، اللتين أطلقتهما في وقت سابق»، مردفاً: «هذا تحول لا نقول إنه مفاجئ، لكنه يختلف قليلاً عن نهج السياسة الخارجية الصينية من حيث التمدد إلى مناطق أخرى كانت تقليدياً مناطق نفوذ لقوى أخرى».
ويتابع: «الصين دائماً كانت لها مبادراتها ومحاولاتها في جهود التسوية في إقليمها، وكانت دائماً هي الدول المضيفة لمحادثات الأطراف الستة بخصوص الأزمة في شبه الجزيرة الكورية، وكانت طرفاً فاعلاً في هذه المفاوضات، لكن ربما هذه هي المرة الأولى، التي نرى فيها الدبلوماسية الصينية تعمل في مناطق كانت الصين لاعباً اقتصادياً كبيراً فيها، ولكنها لم يكن لها هذا الدور السياسي الملحوظ من قبل (..)».
