تقترب الحرب في أوكرانيا من إتمام عامها الأول، وهو العام الذي شهد جملة من المتغيرات العاصفة على عديد من الصُعد، من بينها التحولات الاقتصادية في خارطة التجارة، في ظل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، وانعكاسات تلك التغيرات على أطراف مختلفة، على رأسها الأطراف المتصارعة، فيما يخص روسيا تحديداً.
فمنذ اليوم الأول للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا (24 فبراير 2022) سعت الولايات المتحدة والغرب إلى خنق روسيا على عدة أصعدة، لا سيما اقتصادياً عبر عديد من الخطوات التي وضعت الاقتصاد الروسي أمام ضغوطات ربما غير مسبوقة. الضغوطات الغربية المتلاحقة وضعت الاقتصاد الروسي أمام اختبار صلابة عنيف.. فماذا حقق في هذا الاختبار؟

وهل نجحت العقوبات في تحقيق أهدافها أم أن الغرب كان كمن يخنق نفسه بيده كما يقول بعض المحللين؟
الإجابة من وجهة نظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هي أن اقتصاد بلاده (الذي انكمش على الأرجح بـ 2.5 % في 2022 طبقاً لتقديرات بوتين نفسه) لا يزال مستقراً وأفضل من توقعات الخصوم وكذلك من توقعات السلطات الروسية أيضاً.
تطرق الرئيس الروسي في تصريحاته الأخيرة لتلفزيون روسيا بالحديث عن عددٍ من المؤشرات الاقتصادية، من بينها معدلات البطالة التي هي عند مستوى تاريخي منخفض (3.7 %).
وكذلك التضخم الذي جاءت معدلاته أقل من المتوقع (عند 12 %). وبرغم ما يبديه الاقتصاد الروسي من صمود على المدى القصير وربما المتوسط، إلا أنه على المدى الطويل قد يواجه مزيداً من التحديات الصعبة، في ظل العقوبات والقيود الشديدة على صادرات موسكو بهدف عزلها دولياً، وفقاً لخبراء تحدثت معهم «البيان»، تحدثوا عن وضع الاقتصاد الروسي حالياً والسيناريوهات التي تنتظره حال امتداد الحرب.
إعادة بناء الاقتصاد وفق الواقع الجديد
برغم الضرر الذي لحق بالاقتصاد الروسي، إلا أنه تمكن من الثبات بشكل أو بآخر، وهو ما يشرحه المحلل السياسي الروسي، أندريه أنتيكوف، في تصريحات خاصة لـ «البيان».
والذي يشير إلى أن العقوبات غير المسبوقة التي فُرضت على روسيا قد أدت إلى أضرار اقتصادية بلا شك، ذلك أن روسيا قبل العملية العسكرية في أوكرانيا كانت تستورد البضائع المختلفة والتكنولوجيات الحيوية بالنسبة لقطاعات الصناعة المختلفة.إضافة إلى مدى تأثر الاقتصاد الروسي بطرد بعض البنوك الوطنية من نظام سويفت، الأمر الذي قاد إلى عدة صعوبات فيما يخص التبادل التجاري.
وكذلك تداعيات تحديد سقف على النفط الروسي. كل تلك العوامل -بحسب أنتيكوف- أسهمت في إلحاق أضرار مختلفة بالاقتصاد الروسي، جنباً إلى جنب واستمرار العملية العسكرية والعمليات القتالية القائمة، التي تحتاج لأموال ضخمة، بما يشكل ضغطاً على الاقتصاد الروسي كما العقوبات والضغوطات الغربية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن المحلل السياسي الروسي يشير إلى أن «الاقتصاد لم ينهر بسبب العقوبات..
ولم ينهر النظام البنكي نتيجة الخطوات التي اتخذتها الدول الغربية، لا سيما أنه منذ العام 2014 (منذ ضم القرم إلى الأراضي الروسية) شكلت موسكو نظامها الوطني لتبادل المعلومات البنكية، وهذا من العوامل التي قللت من تداعيات انسحاب كل من فيزا وماستر كارد وطرد البنوك الوطنية الروسية من سويفت».
أسهمت الحرب القائمة في جملة من التغيرات بخارطة أسواق التجارة العالمية، وهو ما يشير إليه أنتيكوف، من خلال التغيير الجذري الذي حدث في منظومة الشركاء التجاريين الأساسيين لروسيا، لجهة الانعطافة الروسية باتجاه الدول الآسيوية، لا سيما الصين والهند بشكل خاص، ما ساعد على «صمود الاقتصاد الروسي» على حد قوله.
وبالنسبة للسيناريوهات التي تفرض نفسها في المستقبل، يوضح المحلل السياسي الروسي أنه «أمام الحكومة الروسية عدة تحديات فيما يتعلق بإعادة بناء الاقتصاد الروسي وفق الواقع الجديد؛ لأن العملية العسكرية في أوكرانيا لا تزال مستمرة، وكذلك وفقاً لما يتعلق بتقليص الاستيراد خاصة البضائع والتكنولوجيات الحيوية».
ويختتم حديثه بالإشارة إلى أنه «على ما يبدو ستركز روسيا أولاً على تطوير الصناعة الداخلية، وكذلك على استيراد هذه البضائع والتكنولوجيات بشكل ثانوي عن طريق طرف ثالث بخلاف الدول الغربية».
تحديات صعبة على المدى البعيد
من جانبه، يقول الأستاذ في معهد الاستشراق بمدرسة الاقتصاد العليا في روسيا، رامي القليوبي، في تصريحات خاصة لـ «البيان» إن الاقتصاد الروسي على المدى القصير وربما المتوسط أيضاً يُظهر درجة عالية من الصمود، لكنه على المدى البعيد يواجه تحديات صعبة.
ويشير القليوبي إلى أنه «خلال الأيام الأولى من الحرب تبنى الغرب مجموعة خطوات من أجل خنق الاقتصاد الروسي، منها إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الروسية، وكذلك تجميد أكثر من 300 مليار دولار من الاحتياطات الدولية الروسية المودعة لدى الغرب الذي اتبع نفس الأسلوب الذي اتبعه مع عدد من الدول لإحداث انهيار لاقتصاداتها».
لكن بعد أسابيع معدودة تبين أن دولة كبرى مثل روسيا لا يمكن شطبها من الخارطة الاقتصادية العالمية، وهذا تمخضت عنه حالة فريدة من نوعها إذ كان الغرب يعاقب روسيا بيد وبيد أخرى يزودها بعشرات المليارات من الدولارات مقابل استيراد النفط والغاز، وفق القليوبي.
تُظهر بيانات شركة غازبروم الروسية، ارتفاعاً بصادرات النفط بنسبة تصل إلى 7 % خلال 2022. بينما انخفضت صادراتها من الغاز إلى خارج الدول السوفيتية السابقة بـ 45.5 %. فيما ارتفعت صادرات الغاز الروسي إلى الصين في العام ذاته بمعدل 15.5 مليار متر مكعب.
ويشير الأستاذ في معهد الاستشراق بمدرسة الاقتصاد العليا في روسيا، إلى أنه رغم أن سعر صرف الدولار أمام الروبل قفز إلى 120 روبل خلال الأسابيع الأولى من العملية العسكرية، إلا أن العملة الروسية سجلت تعافياً كبيراً حتى عادت إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا عند 70 روبل تقريباً، بينما قبل الحرب كانت في حدود 75 روبل.
وبالرغم من ذلك يواجه الاقتصاد الروسي على المدى البعيد تحديات صعبة؛ لأن الحظر على 90 % من النفط الروسي في الاتحاد الأوروبي، وكذلك فرض سقف لسعر النفط الروسي، يؤدي إلى تهديدات بالغة الخطورة على المدى البعيد، لأن روسيا الآن مع الالتفاف على العقوبات المفروضة على نفطها تضطر لتقديم خصومات كبيرة، وأصبحت رهينة لأكبر مشتريين هما الصين والهند.
بالإضافة إلى ذلك هناك مخاطر متعلقة بتوريد التكنولوجيا الحديثة إلى روسيا، لأن هناك أكثر من ألف شركة غربية رائدة انسحبت من السوق الروسية، فتضطر روسيا للجوء إلى آلية الاستيراد الموازي، من أجل الحصول على تلك السلع التكنولوجية من دول ثالثة مثل كازاخستان لا تخضع للعقوبات.
كما تعلن روسيا عن اعتماد خطة لاستبدال الواردات، لكنها ليست بهذه السهولة كما تسعى السلطات الروسية لتصوير الأمر، على اعتبار أن السلع لابد أن تجمع بين مواصفات ذات درجة عالية من التنافسية والسعر المناسب، وهذا يتحقق بفضل مفهوم التوسع الحجمي، لكن إذا كانت روسيا ستطور هذه المنتجات لسوقها الداخلية فقط فهذا يعني أن التكلفة ستكون مرتفعة جداً.
تخفيف وطأة العقوبات
لكن من سان بطرسبورغ، يشير رئيس المركز الثقافي الروسي العربي، الدكتور مسلم شعيتو، في تصريحات خاصة لـ«البيان» إلى أن الاقتصاد الروسي لم يتأثر كما كانت التقديرات الأمريكية تشير إلى وصول سعر الدولار إلى 500 روبل، بينما لم يتراوح السعر منذ بدء العملية العسكرية وحتى الآن ما بين 60 إلى 70 روبل، وهي نفس المعدلات السابقة تقريباً قبل الأحداث.
ولفت إلى أن الأسواق الداخلية الخاصة بالسلع الاستهلاكية لا تزال موجودة ولم تتأثر أي من السلع، بالعكس بدأت تظهر بعض السلع البديلة عن السلع الأوروبية، لكن هناك نوع من ارتفاع الأسعار بحدود 11 % ، بما ينعكس على إعادة تركيب الاقتصاد الروسي بعد هذه الأحداث.
ويتحدث الخبير بالشؤون الروسية عن عددٍ من العوامل التي خففت من وطأة الضغوطات الحالية على روسيا، على رأسها أن موسكو تكتفي ذاتياً بأغلب المواد الأولية والسلع والمنتجات الزراعية والخدمات، مردفاً:«روسيا كانت على ما يبدو مهيأة لهذا الوضع وتعرضها لعقوبات واسعة.
فقد بنت علاقات مع كثير من الدول، خاصة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، ورأينا أن أغلب دول العالم لم تشارك بالعقوبات والمقاطعة باستثناء دول (الناتو) والاتحاد الأوروبي واستراليا، حتى اليابان كانت متحفظة على بعض من الإجراءات ولم تلتزم حتى الآن ببعض العقوبات».
ويشير إلى أن العلاقات التي بنتها روسيا قبل الأحداث أثرت إيجابياً على اقتصادها، وهناك أسواق بديلة للسلع الروسية.
بالإضافة إلى العلاقات المهمة في التبادل التجاري الذي انتقل إلى العملة الوطنية مع دول أخرى، وهذا يغري كثيراً من الدول في أزماتها. ويعتقد شعيتو بأن امتداد الأزمة من شأنه أن ينعكس على اقتصادات العالم عموماً، وكلما زادت حدة الحرب زادت المشكلات الاقتصادية، لكنه يؤكد في الوقت ذاته إلى أن «روسيا استطاعت أن تحول اقتصادها إلى اقتصاد شبه عسكري».
