بشق الأنفس، وبعد 15 جولة تصويت، تمكن الجمهوري كيفن مكارثي، أمس، من تحقيق الفوز أخيراً برئاسة مجلس النواب الأمريكي، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر جولات التصويت فوضى وإثارة للجدل بشكل غير مسبوق داخل الكونغرس منذ أكثر من قرن من الزمن، وفي ظل عرقلة نواب جمهوريين ترشح مكارثي.

فوز مكارثي برئاسة المجلس جاء بعد مفاوضات شاقة على مدار أربعة أيام، وبعد تقديمه مجموعة من التنازلات، أفضت لرضوخ مجموعة مكونة من 20 نائباً رافضين ترشحه، ليحصل بذلك على 216 صوتاً، مقابل 212 صوتاً لمنافسه المرشح الديمقراطي حكيم حيفريز، من إجمالي 428 صوتاً.

مخاض عسير

يفضي المخاض العسير لاعتلاء مكارثي منصب رئاسة مجلس النواب إلى مؤشرات سلبية بشأن وضع الكونغرس خلال العامين المقبلين، في ضوء الخلافات التي تغلف المشهد داخله. وطبقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن التنازلات التي قدّمها مكارثي «تعد موافقة بشكل فعّال على السماح لليمين بتعطيل عمل مجلس النواب».

3 سيناريوهات

في تحليله للمشهد، يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور طارق فهمي، في تصريحات لـ«البيان»: إن الجمهوريين أمام مأزق شديد في الفترة الحالية؛ ذلك أن القضية مرتبطة بانقسام الحزب الجمهوري بشكل كبير بين أربعة تيارات مختلفة.

وأمام هذا الانقسام، ثمة ثلاثة سيناريوهات رئيسية تغلف المشهد، أول تلك السيناريوهات مرتبط باستمرار الانقسام على ما هو عليه، وعلى ما يبدو أنه «السيناريو الأوضح الآن» على أن تتواصل الخلافات والتباينات حول السياسات الاقتصادية والضريبية وفتح الاقتصاد ومعدلات التضخم، وجميعها قضايا تهم المواطن الأمريكي، وكذلك في المرتبة الثانية ملفات وقضايا خارجية مثل دعم أوكرانيا.

السيناريو الثاني يتعلق بدخول الديمقراطيين على الخط لتعزيز الانقسام داخل الحزب الجمهوري، والرابح في النهاية من هذا قبل الانتخابات التمهيدية هو الرئيس جو بايدن، بينما المسار أو السيناريو الثالث يتعلق بحدوث شلل سياسي برلماني داخل الكونغرس، نتيجة لهذه الانقسامات، ما يؤدي لفشل عام، بما يؤثر على الاستقرار العام داخل المؤسسات الحكومية.

ويعتقد فهمي أن خيار المواءمات داخل الحزب الجمهوري لن ينجح في حل الخلافات العميقة التي يشهدها الحزب، مشدداً في على أن رئيس مجلس النواب الجديد صاحب تاريخ سياسي جيد ومعتدل، وربما يقوم بدور كبير في الفترة الحالية، «لكن المشكلات التي تواجهه كبيرة وصعبة».

مخاوف واسعة

تقرير لصحيفة «ذا هل» الأمريكية أشار إلى أن تنازلات مكارثي لتمكين الأعضاء العاديين على حساب سلطته القيادية «تثير مخاوف من أنها يمكن أن تشل الوظائف الحاكمة لمجلس النواب».

ورصدت الصحيفة أبرز الملفات التي تنتظر مكارثي، بداية من ملف زيادة سقف الديون، الذي يضعه أمام اختبار حقيقي، مروراً بالعلاقة مع زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، ووصولاً إلى قضايا مثل تمويل أوكرانيا في معركتها أمام روسيا، وهو الملف المرشح لأن يكون نقطة خلاف داخل مؤتمر الحزب الجمهوري الممزق والجمهوريين في كلا المجلسين، وكذا مشاريع القوانين ذات الأولوية.

ولادة متعسرة

من جانبه، يشير خبير العلاقات الدولية، الدكتور أحمد سيد أحمد، في تصريحات خاصة لـ«البيان»، إلى أن انتخاب مكارثي بهذه الصيغة لم تشهده الولايات المتحدة منذ العام 1860 عند إثارة قضية العبودية، عندما استغرق التصويت حينها 44 جولة، إنما يعكس حجم الانقسام الشديد داخل الحزب الجمهوري، في ضوء وجود أكثر من تيار، من بينهم التيار المتشدد الذي استغل الهامش الضئيل الذي يمنح الأغلبية للجمهوريين من أجل الضغط على مكارثي للحصول على تنازلات بخصوص عزل رئيس المجلس، وكذلك التشدد تجاه سياسات الإنفاق الحكومي والتشريعات.

ويلفت سيد أحمد إلى أن «هذه الأزمة إنما تعكس حقيقة أن الكونغرس الأمريكي بمجلسيه أصبح ساحة للتجاذب السياسي بين الحزبين بشكل أكبر من دوره التشريعي، ومن الواضح أن الحزب الجمهوري سيلجأ إلى الآلية التي لجأ إليها الحزب الديمقراطي إبان سيطرته على الأغلبية في ما يتعلق بالمكايدة السياسية واستخدام السلطة ضد الخصوم، ومن ثم إثارة قضايا مرتبطة بالرئيس بايدن ونجليه في الفترة المقبلة».

ويلفت إلى أن الصراع بين الحزبين بينما يؤثر بشكل مباشر على الملفات الداخلية والقضايا والتشريعات ذات الأولوية، فإنه يؤثر كذلك على السياسات الخارجية، بالنظر إلى تأكيدات الجمهوريين حول مراجعة كل أشكال الدعم والإنفاق الخارجي الذي تم تقديمه لأوكرانيا، بوصفه «دعماً لا محدوداً، وسيسهم في إطالة أمد الأزمة»، وغيرها من الأمور، بما يشكل ضغوطاً على تحركات بايدن الخارجية.