في 22 أكتوبر الماضي، اختُتمت بالعاصمة بكين، أعمال المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني، بعد أسبوع من المناقشات الثرية والمعمقة. مخرجات المؤتمر بعثت برسائل استثنائية، عكست سياسة الصين في المرحلة المقبلة، إزاء القضايا المحليّة والملفات ذات الأولوية على أجندة الحزب الحاكم، فضلاً عن التوجهات الخارجية في إطار تصاعد التحديات العالمية، التي يقع المارد الصيني في القلب منها، غير بعيد عن صراعات مُتجددة، تُفرض عليه بشكل مباشر أو غير مباشر.

المؤتمر - الذي يعقد كل خمس سنوات - حمل هذا العام دلائل واضحة على تحولات، وُصفت بـ «الجذرية»، في توجهات الرئيس الصيني شي جين بينغ، في المرحلة المقبلة، سواء لجهة ترتيب الأولويات الداخلية لصالح قضايا الأمن والتنمية الاقتصادية بشكل خاص، أو العلاقات الخارجية، على الصعيدين السياسي والأمني، في مواجهة القوى الكبرى (لا سيما الولايات المتحدة)، وكذلك تأكيد موقف بكين الثابت، في ما يتصل بقضية تايوان، ووصولاً إلى العلاقات الاقتصادية، وتأكيد الانفتاح الصيني على العالم.

كان 2022 عاماً استثنائياً بالنسبة للصين، ليس فقط بما شهده من انعقاد المؤتمر العام للحزب الشيوعي، الذي أعاد تنصيب شي جين بينغ رئيساً، وإنما أيضاً لجهة تطورات عديدة على الساحة الدولية، كانت الصين جزءاً منها.

كانت الصين خلال العام ذاته، على موعدٍ مع الأزمة الكامنة مع أمريكا، بخصوص تايوان، وذلك بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي، نانسي بيلوسي، إلى تايبيه، في أغسطس الماضي، الزيارة التي استفزت بكين، وأسفرت عن تصاعد حدة التوتر، وردود أفعال متباينة، عززت الحديث الدائر حول آفاق العلاقات بين البلدين، والسيناريوهات «الأسوأ».

كما شهد العام ذاته ، حلقات جديدة ضمن مسلسل «الحرب التجارية»، الممتد منذ عام 2018 بين الولايات المتحدة والصين، وفي ضوء الحظر التجاري والتكنولوجي الذي فرضته واشنطن على عديد من الشركات الصينية خلال العام، وبرغم الرسائل الإيجابية التي جاءت في أعقاب اللقاء الأول، الذي جمع الرئيسين الأمريكي جو بايدن والصيني شي جين بينغ في 14 نوفمبر.

عام استثنائي

يقول نائب رئيس الطبعة العربية لمجلة «الصين اليوم»، خبير الشؤون الآسيوية، حسين إسماعيل، في حديث لـ «البيان» من القاهرة، إن 2022 في الصين، كما في عديد من دول العالم، لم يكن عاماً عادياً، ذلك أن الصين شهدت مجموعة من التطورات على المستويين الداخلي والخارجي، انعكست بشكل كبير على سياساتها.

ويشير إلى أن تلك التطورات انعكست بشكل كبير على سياسات بكين، وبخاصة الخارجية، في ظل أحداث متسارعة شهدها العام، أهمها الأزمة التي أثارتها زيارة بيلوسي لتايوان، وما صاحبها من ردود فعل غاضبة، أدت إلى مزيد من التوتر جنوب شرق آسيا، في خطٍ متوازٍ مع التوتر المتزايد في العلاقات الصينية الأمريكية، بما في ذلك على المستوى التجاري، والذي انعكس بوضوح في العقوبات والحظر الذي فرض على شركات التكنولوجيا الصينية.

كما علقت بكين من جانبها مشاركتها في عديد من اللجان والمحافل الدولية التي تجمعها مع الولايات المتحدة، ما انعكس، ليس فقط على العلاقات الثنائية، إنما أيضاً على علاقات الصين مع أطراف أوروبية مختلفة، مثل بريطانيا، والتي قال رئيس وزرائها، ريشي سوناك، في نوفمبر الماضي «إن العصر الذهبي للعلاقات بين البلدين قد انتهى»، متحدثاً عما تشكله الصين من تحدٍ للمصالح البريطانية.

اهتمامات وأولويات

أمام تلك التطورات المفصلية المتصاعدة، لم يعد بمقدور التنين الصيني الانكفاء خلف أسواره، مولياً الداخل وقضايا التنمية الاهتمام الأول، فقد باتت بكين -التي وضعتها استراتيجية الأمن القومي الأمريكية على رأس المخاطر التي تجابه واشنطن، وباعتبارها المنافس الوحيد لها في إعادة تشكيل النظام العالمي- في قلب صراعات خارجية على مستويات مختلفة، سياسياً واقتصادياً وفكرياً وثقافياً، بداية من أزمة حقوق الملكية الفكرية، والسطو على التكنولوجيا المتعلقة بالصناعات الاستراتيجية، التي تمكنها من مزاحمة الغرب، وربما انتزاع تفوقه، ووصولاً إلى تهم التحالف الاستراتيجي مع روسيا ضد الغرب.

ظهرت تلك التحولات واضحة في خطاب الحزب الحاكم في افتتاح مؤتمره الأخير، عندما أولى الرئيس الصيني اهتماماً بالملفات الأمنية -لأول مرة- على ملفات التنمية، ليشكل ذلك الخطاب تحولاً وصفته وكالة بلومبرغ بـ «التحول التاريخي»، لصالح القضايا الأمنية.

الرئيس الصيني ذكر «الأمن» 91 مرة، مقارنة بـ 55 مرة في خطابه بمؤتمر الحزب السابق، قبل خمس سنوات، فيما ظهر الاقتصاد في مرتبة تالية، بذكره 50 مرة فقط، ما يعد تغيراً لافتاً في خطاب الحزب، منذ توليه السلطة في 1949.

تلك المضامين المختلفة كلياً، التي حملها «الخطاب الصيني الجديد»، تعكس التحديات التي يُواجهها التنين، والتي تفرض عليه توجهات مغايرة لما سبق، لا تنصرف فقط على الداخل الصيني، إنما تمتد تداعياتها إلى العالم بأسره، حيث تشارك الصين بثقلها في خريطة عالمٍ جديد، تتشكل معالمه على الساحة الدولية حالياً، في ضوء التطورات الجيوسياسية المتسارعة.

توترات واختراقات

من جهته، يشير خبير الشؤون الآسيوية، حسين إسماعيل، إلى أنه على الجانب الآخر، وفيما دخلت الصين بمزيدٍ من التوتر مع أطراف مختلفة، بما في ذلك اليابان وأستراليا والهند، إلا أنها استطاعت تحقيق بعض الاختراقات المُهمة خلال 2022، تمثلت في أهم محطاتها، في زيارة الرئيس شي جين بينغ، للمملكة العربية السعودية، وانعقاد أول قمة عربية صينية، وهي القمة التي بعثت رسالة مهمة للولايات المتحدة.

وأكدت مخرجات القمة على عديدٍ من الأمور المُهمة بالنسبة لبكين، من بينها تأكيد الدول العربية، على الالتزام بمبدأ الصين الواحدة، وأن لكل دولة الحق في اختيار طريق التنمية المناسب لها، وتأكيد التعاون في مبادرة الحزام والطريق.

آفاق عام 2023

ويختتم الخبير في الشؤون الآسيوية، تحليله للمشهد الراهن، بالإشارة إلى أنه «برغم أن عام 2022 كان شديد الصعوبة على الصين، فقد بدت بوادر الانفراجة في الشهر الأخير، مع تخفيف قيود الحجر والقيود المتعلقة بمكافحة كورونا، بما ينذر ببوادر انفراجة اقتصادية في العام المقبل».

سياسياً، يأمل الكثيرون أن يكون العام الجديد مختلفاً، لا سيما بعد المؤشرات الصادرة عقب لقاء الرئيس الصيني مع نظيره الأمريكي ، على هامش قمة العشرين، وهو اللقاء الذي ربما حمل بوادر لاحتواء التوترات المتزايدة بين البلدين.. ويأمل الكثيرون في أن يكون العام الجديد، عام انفراجة لثاني أكبر اقتصاد في العالم، وعلى اعتبار أن أي خلل بالاقتصاد الصيني، أو علاقات بكين الخارجية، تتفاعل معه اقتصادات العالم.

وبشكل عام، فإن صين ما قبل 2013، والتي كانت تتعامل في سياساتها الخارجية وفق حكمة الفيلسوف سون تزو، في كتابه فن الحرب (تواضع وأنت تبني قوتك)، تختلف تماماً عن صين ما بعد 2013، عندما تولى الرئيس شي جين بينغ، زمام السلطة، وإطلاقه مبادرة «الحزام والطريق»، ووصولاً إلى المؤتمر الـ 20 للحزب الشيوعي، وما حمله من رسائل.

يتبنى الرئيس الصيني مشروع «التجديد العظيم للأمة الصينية»، وما يسميه بـ «حلم الـ 100 عام الصيني»، في ضوء طموحات كبيرة، تنطلق من اعتبار أن الصين صارت قوة عظمى، ويُطالب بمعاملتها على هذه الأساس، لا سيما على الصعيد التجاري، لاعتبار أن أي تطور يحدث في بكين، يؤثر في سلاسل التوريد في العالم، وفي معدلات التضخم وسوق النفط والطاقة، في ضوء القوى الصناعية والتصديرية لبكين.

هذا ما يؤكده لدى حديثه مع «البيان»، الخبير في الشؤون الآسيوية من الرياض، جلال رحيم، والذي يقول ضمن تحليله للاتجاهات الجديدة للسياسة الخارجية الصينية، إن «مشروع الحزام والطريق، الذي تقول بكين إنه مشروع اقتصادي مالي بحت، يهدف لإعادة ربط طريق الحرير القديم بين الصين وبقية دول العالم، إنما هو الواجهة الأساسية للتغيير الجذري في السياسة الخارجية الصينية، وهو المعطى الرئيس في إحداث التغير بتلك السياسات باتجاه التعامل مع الصين، باعتبارها عملاقاً دولياً له مصالحه الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية والقومية بشكل خاص».

يأتي ذلك، في وقت تؤمن الولايات المتحدة بأن أي تحرك من الصين في اتجاه تعزيز قدراتها الخارجية، إنما يشكل تهديداً للنظام العالمي، الذي تقوده واشنطن، بما يشكل تهديداً لنفوذها.

يقول الخبير في الشؤون الآسيوية، إن «استراتيجية الصين تتواصل في اتجاه تعميق نفوذها في العلاقات التجارية والاقتصادية والمالية والسياسية، مع عديد من دول العالم -بما في ذلك التوجه نحو الدول العربية- كذلك واشنطن تقوم من جانبها، وبالتعاون مع حلفائها، بمحاولة احتواء الصعود الصيني».

استعدادات

يواجه التنين الصيني تلك التحديات، باستعدادات لمواجهات «إقليمية» على صُعد مختلفة، وفي سبيل ذلك، دعا الرئيس الصيني أخيراً، إلى تسريع عمليات تحديث الجيش، مؤكداً الحاجة إلى «كسب الحروب الإقليمية»، مع تطبيق استخدام القوة العسكرية بأشكال متنوعة.

وفي ضوء ذلك، يعتقد الخبير في الشؤون الآسيوية، بأن الفترة المقبلة، سوف تشهد تعاظماً بالحرب الباردة والحروب بالوكالة، مع اشتداد المنافسة بين القطبين. ويشير إلى سيناريو المواجهات المباشرة، التي قد تفرض على الصين، بقوله إن الصين تتبنى برنامجاً هيكلياً لتحديث الجيش، مع انتهاء ذلك البرنامج، ستكون مستعدة بشكل كامل لمواجهة أي إعلان استقلال رسمي من طرف تايوان «الصين لن تدخل في حرب مباشرة مع أي طرف، إلا في حال إعلان استقلال تايوان الرسمي، وستكون أي حرب بين بكين وواشنطن، في مضيق تايوان».

 

تحديات داخلية

 

واجه اقتصاد الصين تحديات مختلفة في عام 2022، متأثراً باستراتيجية «صفر كوفيد»، بما قاد البلاد لتباطؤ اقتصادي، لكن دون انكماش، فضلاً عن تأثره بالحظر الأمريكي على كبرى شركات التكنولوجية الصينية، والضوابط على تصدير الحوسبة المتقدمة وأشباه الموصلات للصين.

تقديرات صندوق النقد الدولي، تشير إلى نمو الاقتصاد الصيني بـ 3.2 % في 2022 (وهو أقل معدل نمو منذ عقود)، ثم يتوقع أن يرتفع 4.4 في المئة خلال العامين المقبلين. بينما تواجه الصين رياحاً معاكسة خارجية (تباطؤ عالمي- زيادة أسعار الطاقة- المزيد التشديد في الأوضاع المالية العالمية- التوترات الجيوسياسية).

وبحسب مراقبين، فإن بكين، التي استضافت في بداية العام دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، بما شكله ذلك من فرصة لتقديم نفسها للعالم بشكل جديد، تبنت عديداً من الإجراءات التي أوجدت تحديات داخلية، من بينها الإغلاقات، وسياسة صفر كوفيد، وما صاحبها من قيود، والتي تخلت عنها الصين جزئياً في الشهر الأخير.

انعكست تلك السياسات مباشرة على الوضع الاقتصادي الذي لم يكن في أفضل حالاته، لجهة معدلات النمو، كما سجلت الصادرات الصينية، أضعف نسبة زيادة في نوفمبر (الصادرات بالدولار تراجعت %8.7 في نوفمبر، مقارنة بالعام الذي سبقه، إلى 296 مليار دولار)، مع تراجع إنتاجية عديد من الشركات، ما أدى بدوره إلى تأثيرات واسعة المدى.