«مؤشرات إيجابية قد لا تدوم، ولا ينبغي معها الإفراط في التفاؤل»، تلك هي الرسالة الرئيسة التي بعث بها أحدث تقارير وكالة الطاقة الدولية بخصوص أزمة الغاز في أوروبا، الذي سلّط الضوء على عدد من العوامل التي قلل معها الكثيرون من تأثيرات الأزمة، أبرزها نجاح أوروبا في ملء مخزون الغاز بنسبة 95% (وهي نسبة أعلى من متوسط التعبئة خلال خمس سنوات بنحو 5% تقريباً)، بما يوفر الحماية المطلوبة هذا الشتاء، علاوة على انخفاض أسعار الغاز أخيراً، ودرجات الحرارة المعتدلة نسبياً.
لكنّ الوكالة دقت ناقوس الخطر؛ لجهة تأكيداتها أنه «لا ينبغي أن تقود تلك المؤشرات إلى استنتاجات مفرطة في التفاؤل بشأن المستقبل»، لا سيما أن العوامل التي ساعدت على إنجاز عملية الملء بهذه النسبة في العام 2022 قد لا تتكرر خلال العام المقبل 2023، ومن بينها انخفاض واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى شحنات الغاز عبر خطوط الأنابيب الروسية، التي، رغم قطعها بشكل حاد خلال العام، إلا أنها كانت قريبة من المستويات الطبيعية، حتى قبل نهاية النصف الأول منه.
وتشير تقديرات الوكالة، في تقريرها التحليلي الأخير، إلى أنه من المرجح أن يصل إجمالي إمدادات خط الأنابيب من روسيا إلى الاتحاد الأوروبي عن العام 2022 إلى حوالي 60 مليار متر مكعب، لكن من المستبعد جداً أن تسلم روسيا 60 مليار متر مكعب أخرى من الغاز عبر خطوط الأنابيب في 2023 وقد تتوقف عمليات التسليم الروسية إلى أوروبا تماماً.
يسلط ذلك الضوء على حاجة أوروبا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة من قبل الحكومات؛ للحد من استهلاك الغاز وسط أزمة الطاقة العالمية، وذلك بينما كشفت فيه الحرب في أوكرانيا مواطن ضعف النموذج الاقتصادي الأوروبي، في ضوء الاعتماد بشكل واسع على مدخلات الطاقة الوفيرة القادمة من روسيا. في وقت يتحدث فيه مراقبون أيضاً عن تبعات متوقعة لأزمة الغاز على المواقف الأوروبية إزاء الحرب في أوكرانيا.
فما هي أبرز السيناريوهات التي تواجه أوروبا خلال العام 2023 في ضوء تلك الأزمة؟ وما الانعكاسات المستقبلية لأزمة الغاز على الموقف الأوروبي من الحرب في أوكرانيا؟ وهل يمكن أن تقود تلك الأزمة إلى تفاقم الخلافات الداخلية بالقارة العجوز؟
تأزيم الوضع
المحلل الاقتصادي سليمان العساف، يقول في تصريحات لـ «البيان» إن أزمة الطاقة في أوروبا يبدو أنها ستتفاقم بصورة أكبر خلال الشهور القادمة (برغم الوصول إلى نسبة 95 % لملء مخزون الغاز)، كون الدول الأوروبية تعتمد بشكل رئيسي على روسيا في واردات الغاز وملء مخزونها، وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً على الجانب الأوروبي الذي يعمل على التخلي عن الغاز الروسي في وقت تقلص فيه روسيا أيضاً بشكل حاد من صادراتها من الغاز في ضوء تبعات الحرب في أوكرانيا.
وفي هذا السياق، يعتقد بأن القرارات ذات الصلة، بما في ذلك مسألة تحديد سقف لأسعار النفط الروسي من جانب الاتحاد الأوروبي، من شأنها زيادة الضغط على تلك الدول، وفي ضوء ردات الفعل الروسية، حيث تقول موسكو إن «الاتحاد الأوروبي يغامر بتعريض أمن الطاقة الخاص به».
ومن ثم لا يعتقد العساف بأن حلاً قريباً يبدو في الأفق بالنسبة للدول الأوروبية من أجل تأمين بدائل مناسبة لتدفقات الغاز الروسي بشكل عام في الفترات المقبلة، متوقعاً أن يستغرق حل أزمة الطاقة ما قد يصل إلى 18 شهراً، لا سيما في ضوء ارتباطات الدول المصدرة بتعاقدات ممتدة، ما قد يعيق حصول أوروبا على الإمدادات الكافية من مصادر بديلة.
وبالتالي يتوقع أن يكون لتلك الأزمة انعكاسات مؤثرة بالنسبة لدول أوروبا، فقد تؤدي لكثير من المشكلات الداخلية، بدءاً من تفاقم أزمة ارتفاع الأسعار والتضخم الذي يبدو أنه سيتحول إلى ركود تضخمي في الدول الأوروبية، في وقت ينفق فيه القادة الأوروبيون بسخاء على تأمين إمدادات بديلة للطاقة، فضلاً عن السعي نحو حماية المستهلكين جراء ارتفاع الأسعار، بينما وتيرة التضخم تتسارع، وأيضاً الخلافات الأوروبية الأوروبية بشأن السياسة الخاصة بالتعامل مع الأزمة.
خطة أوروبية
تعتمد الخطة الأوروبية من أجل الاستغناء عن الغاز الروسي على عدة محاور أساسية، أهمها: الحصول على الغاز من موردين آخرين، تقليص نسبة الاعتماد على الغاز في توليد الكهرباء من خلال تمديد عمل المفاعلات النووية على سبيل المثال، والعمل على نشر مصادر الطاقة المتجددة عموماً، وكذلك ترشيد الطلب على الغاز والنفط داخلياً.
وبينما سعت القارة العجوز إلى التخلي عن إمدادات الغاز القادمة من موسكو، جاءت خطواتها بطيئة لعدم توافر البدائل الفوريّة، بينما قامت روسيا من جانبها بخفض الصادرات في يونيو بشكل حاد، لتصل نسبة واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الروسي إلى 15 % فقط لدول في جنوب وشرق أوروبا، مقارنة بنسبة كانت تصل من 40 إلى 50%.
في وقت يعتقد فيه محللون بأن «التراجع خطوة محدودة ومحسوبة للوراء» إزاء الحرب في أوكرانيا قد يقود إلى تخفيف الأزمة لجهة الدفع بالمفاوضات، لا سيما وأن الحرب لعبت دوراً بارزاً في تأزيم الوضع داخل أوروبا التي باتت من أكثر المتضررين من تبعاتها.
صقيع
هذا ما يؤكده المحلل السياسي خبير الشؤون الأوروبية من باريس، نزار الجليدي، في تصريحات خاصة لـ «البيان»، والذي يشير إلى أن «أوروبا تعيش واحدة من أقسى فتراتها؛ في ضوء الخوف من صقيع واسع وشح في الطاقة، نتيجة تبعات الحرب في أوكرانيا، وفي خط متوازٍ مع أزمات داخلية وخارجية تواجهها دول القارة».
ويتابع: «الأزمة خانقة داخلياً وخارجياً.. تبدو بدائل الطاقة شحيحة جداً، إلا بالذهاب إلى التفاوض مباشرة مع موسكو، أو إسقاط العقوبات وإيجاد شراكات مع الرئيس الروسي، على اعتبار أن روسيا الأقرب إليها جغرافياً في هذا الصدد (..) أوروبا -وفق هذه المعطيات- ربما تجنح إلى السلم أكثر من الحرب، وإلى ضخ أموال كبيرة لشعوبها حتى تسقط فاتورة التضخم وتواجه الاحتجاجات القادمة».
ويلفت خبير العلاقات الدولية إلى أن «هناك تفتتاً داخلياً كبيراً في أوروبا، لا سيما بين فرنسا وألمانيا، وفرنسا وإيطاليا (في موضوع الهجرة بشكل خاص)، إضافة إلى صعود حكومات وأحزاب يمينية متطرفة مدعومة من الجانب الروسي، تغذي صوت الشارع الذي قد ينقلب في أية لحظة في أوروبا في ضوء تراكم الضغوطات على ذلك النحو».
وفي حالة التوقف الكامل لإمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب الروسية إلى الاتحاد الأوروبي، وتعافي واردات الغاز الطبيعي المسال الصينية إلى مستويات 2021، يُظهر تحليل وكالة الطاقة الدولية الجديدة أن أوروبا قد تواجه فجوة صعبة بين العرض والطلب تبلغ 30 مليار متر مكعب خلال الفترة الرئيسية لإعادة التعبئة، تخزين الغاز في صيف العام 2023.
يمكن أن تمثل هذه الفجوة ما يقرب من نصف الغاز المطلوب لملء مواقع التخزين إلى 95٪ من السعة بحلول بداية موسم الشتاء القادم 2023 - 2024.
شح البدائل
يعكس ذلك حجم الأزمة التي تواجهها أوروبا العام المقبل، وبما يؤكد أن «وضع دول الاتحاد الأوروبي صعب، ولن تتمكن من إيجاد بدائل مناسبة بشكل كافٍ للغاز الروسي وبنفس الأسعار السابقة»، وفقاً لخبير الشؤون الأوروبية من بروكسل، محمد رجائي بركات، في تصريحات خاصة لـ «البيان»، توقع خلالها من هذا المنطلق «عودة الأمور إلى طبيعتها تدريجياً»، مستدلاً على ذلك بما وصفه بـ «بوادر توجهات أوروبية جديدة بتعديل الموقف إزاء حرب أوكرانيا، تظهر بتصريحات مسؤولين أوروبيين في الشهر الأخير من العام».
ويتابع خبير العلاقات الدولية: «الدول الأوروبية شعرت بأنها المتضرر الأكبر من هذه الحرب، وعليه يُتوقع على المدى القصير أو المتوسط أن تلجأ الدول التي اعتاد استيراد النفط والغاز من روسيا إلى التراجع عن موقفها تحت وطأة الضغوطات التي تواجهها.. وهو توجه له إشارات في الآونة الأخيرة، من بينها الرسائل التي بعثت بها المحادثة الأخيرة بين الرئيس الروسي والمستشار الألماني».
ويشير بركات إلى أن «مصلحة دول أوروبا على المدى البعيد مع روسيا فيما يتصل باستيراد الغاز»، موضحاً أن الولايات المتحدة تبيع الغاز لأوروبا بأسعار أعلى كثيراً، وهو ما يبرر سعي واشنطن منذ فترة طويلة لعرقلة تدفقات الغاز الروسي إلى أوروبا، حتى إن الرئيس السابق دونالد ترامب توعد الشركات الأوروبية المشاركة في تمويل خط الغاز (نورد سترم 2) بعقوبات.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد انتقد سابقاً ما وصفه بالازدواجية الأمريكية قائلاً: الغاز الأمريكي أرخص بثلاث إلى أربع مرات في السوق المحلية من السعر الذي يشتري به الأوروبيون. وفي ألمانيا قال وزير الاقتصاد روبرت هابيك، إن واشنطن تبيع الغاز لأوروبا بـ«أسعار فلكية». وإجمالاً، فإن العام 2023 سيكون مفصلياً بالنسبة لأوروبا، التي باتت مهددة بتبعات شديدة الخطورة على الصعيد الداخلي جراء تبعات الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة التي تهدد دولها، وبما قد يطرح جملة من المتغيرات على سياساتها الاقتصادية ومواقفها السياسية أيضاً على المديين القريب والمتوسط.

