سد كاخوفكا سلاح دمار شامل

8

ت + ت - الحجم الطبيعي

في القرن السادس، كتب الفيلسوف الصيني لاو تزو: «الماء سائل وناعم ومنتج، وفي الوقت ذاته كثرة الماء تؤدي إلى تآكل الصخور مهما بلغت صلابتها. كقاعدة عامة كل ما هو سائل لين يستطيع التغلب على كل ما هو جامد وصلب، هذه مفارقة أخرى».

خلال الأسابيع الأخيرة، أصبح سد كاخوفكا محور اتهامات متبادلة بين روسيا وأوكرانيا، كلٌ منهما يتهم الآخر بالتخطيط لتفجيره. إذا حدث ذلك ـ بغض النظر عن الفاعل ـ فإنه سيكون بمثابة سلاح دمار شامل مائي يغرق مناطق واسعة بمدينة خيرسون والريف المحيط بها، وقد يقتل آلاف الناس. ما هذا السد؟ مَنْ بناه؟ وما أهميته؟. 

عام 1956 بنى الاتحاد السوفييتي سد كاخوفكا على نهر دنيبرو كجزء من محطة كاخوفكا للطاقة الكهرومائية، يبلغ ارتفاع السد 30 متراً وطوله 3.2 كيلومترات، ويمتلك خزاناً سعته 18 كيلومتراً مكعباً يوفر المياه لمحطة زابوريجيا النووية، الخاضعة للسيطرة الروسية.

‏ويسمح السد بإرسال المياه إلى قناة شبه جزيرة القرم التي تبدأ في جنوب أوكرانيا ‏وتعبر شبه الجزيرة بأكملها.‏

لكن بعد ضم موسكو شبه الجزيرة عام 2014، أغلقت كييف السد، ما تسبب ‏بمشكلات كبيرة لري المزروعات وعانت شبه الجزيرة نقصاً في ‏المياه.‏ وتقول السلطات الجديدة الموالية لروسيا، إن تأمين المياه لشبه جزيرة ‏القرم عبر القناة استؤنف مطلع مارس، والآن يتم إمدادها يومياً ‏بـ1,7 مليون متر مكعب من المياه.‏

وتواصل محطة كاخوفكا إنتاج الكهرباء التي تزود الشبكة الأوكرانية الموحدة ‏والمناطق التي لا تزال تحت سيطرة كييف وتلك التي تحت سيطرة ‏موسكو.‏

اتهامات متبادلة

في 21 أكتوبر الماضي، طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في خطاب موجه للقادة الأوروبيين بتحذير روسيا من تداعيات تفجير السد. وقال في كلمة بثها التلفزيون، إن القوات الروسية «لغمت سد كاخوفكا وتخطط لتفجيره». وقال زيلينسكي إنه إذا تعرضت محطة كاخوفكا للطاقة الكهرومائية للتدمير فإن ذلك سيؤدي إلى وقوع «كارثة على نطاق واسع».

وحذر من أن مئات الآلاف من السكان القاطنين حول نهر دنيبرو سيكونون عرضة لخطر حدوث فيضانات جارفة في حالة تدمير السد.

في اليوم ذاته، طالبت روسيا مجلس الأمن بمنع أوكرانيا من تدمير السد، متهمة كييف بالتخطيط لتدمير السد انتقاماً من أهالي المقاطعة الذين شاركوا «في استفتاء الانضمام إلى روسيا». وقال مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، خلال جلسة للمجلس في 21 أكتوبر: «يوجه نظام زيلينسكي ضربات إلى مواقع البنية التحتية في أراضيه السابقة».

وتابع: «إن القوات الأوكرانية تقصف خلال خمسة أشهر مدينة كاخوفكا، وتطلق بمعدل 120 صاروخاً على المنطقة يومياً معظمها صواريخ هايمرز الأمريكية»، وأن «الأوكرانيين يصوبون الصواريخ خصوصاً نحو السد لإصابته، ما سيؤدي إلى ارتفاع منسوب المياه وإغراق الأراضي المحيطة».

وقال: «في حال تنفيذ هذا السيناريو قد يقتلون الآلاف من المدنيين، ويلحقون الضرر بآلاف المنازل».

وفي السابع من نوفمبر الحالي، أعلنت السلطات الروسية في خيرسون، انقطاع الماء والكهرباء عن المدينة، بعد غارة أوكرانية أصابت خطوط جهد عالٍ، وألحقت أضراراً بسد كاخوفكا الاستراتيجي الذي يعود إلى الحقبة السوفييتية.

وقالت السلطات التابعة لموسكو في خيرسون، إنه نتيجة الهجوم الأوكراني، تضررت ثلاثة أبراج إسمنتية تحمل خطوط جهد عالٍ. وقال ممثل أجهزة الطوارئ في خيرسون، التي أعلنت روسيا الشهر الماضي ضمها، إن «أكثر من 10 بلدات في المنطقة حالياً من دون كهرباء».

سيناريو مرعب

هذا كله بفعل غارة محدودة التأثير بالنسبة للسد الذي تسيطر عليه روسيا، فماذا لو جرى تفجيره من جانب أي من الطرفين أو حتى طرف ثالث؟. يعتبر سد كاخوفكا نقطة الضعف الكبرى في خيرسون، فتدميره سيشكل كارثة حقيقية. ومن شأن تفجير السد أن يطلق العنان لتسونامي مدمر عبر جزء كبير من منطقة خيرسون.

ويؤكد خبراء أنه في مثل هذا السيناريو ستنشأ موجة مياه قد يصل ارتفاعها إلى 5 أمتار وعرضها 5 كيلومترات، وستغرق خلال ساعتين فقط مساحات واسعة من خيرسون وأكثر من 80 بلدة وقرية ومدينة، كما أن نسف السد سيدمر نظام قنوات الري في معظم جنوب أوكرانيا، وشبه جزيرة القرم أيضاً.

وسيؤدي تفجير السد إلى إطلاق جدار من مياه الفيضانات المدمرة في معظم أنحاء منطقة خيرسون، فضلاً عن تدمير محطة كاخوفكا للطاقة الكهرومائية التي ستؤدي إلى زيادة مشاكل الطاقة في أوكرانيا.

ويقول الخبير والمحلل السياسي الروسي، ألكسندر نازاروف، إن تيارات المياه الهائلة ستجرف كل شيء في طريقها (إذا ضرب السد)، مشيراً إلى أن تصريف المياه سيستغرق عدة أيام.

ويضيف: «ستغرق المستوطنات الساحلية وضواحي خيرسون، وستكون العواقب وخيمة على المركز الإقليمي لجولايا بريستان. كما ستكون منطقة خيرسون في حالة طوارئ لعدة أيام، وسيتم عزل خيرسون والقوات الروسية على الضفة اليمنى لنهر دنيبر».

ويوضح الخبير الروسي أن «ما يصل إلى 50 ألف شخص سيعانون، وستصبح آلية التبريد لمحطة الطاقة النووية زابوروجيا أكثر تعقيداً. كما سيصبح خزان كاخوفكا الضخم ضحلاً»، ويتابع: «سيتم تدمير نظام الطاقة في منطقة زابوروجيه. وسوف يستغرق الأمر سنوات لإصلاح البنية التحتية».

السد كسلاح

الواقع العسكري على الأرض ليس بعيداً عن التأثيرات آنفة الذكر، إذ إن قوات ومعدات من الجانبين تنتشر في المنطقة. وتنقل «سكاي نيوز عربية» عن الخبير الأوكراني المتخصص في العلاقات الدولية، قسطنطين جريدين، قوله إن هدف روسيا هو استخدام السدود والطاقة والبنية التحتية، وتسخير كل هذا لحربها لتكبيد أوكرانيا خسائر بلا عناء.

ويستدل على اتهامه لموسكو، بإسراع القوات الروسية في إخلاء السكان من المناطق المهددة بالغرق؛ حيث إن الجنوب الأوكراني سيغرق في حدود 5 - 6 ساعات حال تفجير السد.

وسبق أن عللت موسكو إخلاء السكان بأن خيرسون على وشك التعرض لهجوم كبير من القوات الأوكرانية؛ ولذا عليها حماية المدنيين.

ويقول الدكتور آصف ملحم، مدير مركز «جي سي إم» للدراسات ومقره موسكو، إن أوكرانيا «تستخدم سياسة الأرض المحروقة، وما يحدث حول السد هو إعادة سيناريو لما كان يحدث حول محطة زابوريجيا النووية».

ويستدل ملحم في اتهامه لأوكرانيا بعوامل يرى أنها تحدد من المستفيد من تفجير السد، قائلاً إن القوات والمعدات الروسية تتمركز في مناطق يسار نهر دنيبر، وهذه المناطق منخفضة قياساً لتلك الواقعة على يمينه؛ لذا ستتدفق المياه بشكل رئيس نحو اليسار، وتعيق حركة القوات، وبخاصة المدفعية التي تستخدم بنجاح ضد القوات الأوكرانية.

وبالتالي، ستضطر القوات الروسية لترك معداتها لإنقاذ المدنيين الذين ستملأ بيوتهم المياه. ويتساءل ملحم: «كيف إذا تسعى روسيا إلى تفجير السد وقواتها متمركز في منطقة مهددة بالغرق؟».

أياً كان من يستهدف السد، فإنه سيتسبب بكارثة، لكن ثمة من يعوّل على حقيقة أن النتائج ستصيب الجانبين، سواء من العسكريين أو المدنيين، وكذا المرافق الحيوية لديهما، فهل تسود الحكمة ويستثني الجانبان هذا النوع من السيناريوهات من المواجهة، وصولاً إلى وقف هذه الحرب؟

طباعة Email