يشتد الانقسام في العالم بشأن آليات حماية الأرض من التغير المناخي، فـ«الترند» الإعلامي السائد يقوده نشطاء ومنظمات غير حكومية معنية بالمناخ.
حيث باتت لهجة الخطاب تتجه نحو التطرف في ظاهرة يمكن تسميتها بـ«متطرفو المناخ»، الذين استهدفوا أعمالاً فنية شهيرة للفت الانتباه إلى قضيتهم قبل قمة «كوب27»، التي تبحث الأسبوع المقبل في مصر الحد من ظاهرة التغيّر المناخي، وقد وصف المستشار الألماني أولاف شولتس طريقة الاحتجاج بأنها تخلو من الإبداع.
إلا أن ما يطالب به «متطرفو المناخ» عبر العالم يفتقر، وفقاً لبعض المراقبين، للمسؤولية تجاه سكان العالم، فالتغيير الجذري المتطرف نحو الطاقة المتجددة، على سبيل المثال، سيترك مئات الملايين من سكان الأرض بلا أي مورد مالي لحياتهم اليومية، وستضطر شركات عملاقة إلى تقليص مدمر للوظائف، ذلك أن عدم تحقيق توازن بين حماية المناخ وحماية الحياة اليومية للبشر سيؤدي إلى كارثة ديمغرافية واضطرابات اجتماعية قد تؤدي إلى تفكك دول كبيرة مكتظة بالسكان.
المناخ والتنمية
ولعل العالم وقع تحت تأثير الدعوات النظرية النبيلة في السنوات القليلة الماضية، بحيث بات «التوازن» في تحقيق معادلة إنقاذ الكوكب والبشر معاً محرجاً في الإعلام على بعض المنصات الدولية.
لكن لا يخلو الأمر من صراحة في بعض الأحيان، على غرار حديث الأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» هيثم الغيص، أمس، حول ضرورة تحرك العالم بسرعة للاستثمار في النفط لمنع حدوث أزمات طاقة طارئة في المستقبل مع نمو الطلب العالمي على الهيدروكربونات على المدى الطويل.
والواقع أن دعوة «أوبك» إلى التوفيق بين المناخ ومتطلبات استمرار النمو العالمي ليست جديدة، فسبق أن طالبت الدول الأفريقية، وهي الأكثر تضرراً من التغير المناخي، بعدم إجبارها على الانتقال إلى الطاقة المتجددة بدون توفير بديل تنموي للتعويض عن تقلص التنمية التقليدية.
توقعت «أوبك» أن يشكل النفط 29 في المئة من مزيج الطاقة بحلول عام 2045، انخفاضاً من النسبة الحالية البالغة 31 في المئة، في سيناريو من المتوقع أن ينمو فيه حجم الاقتصاد العالمي إلى مثليه؛ من 135 تريليون دولار إلى 270 تريليون دولار. وبسبب هذا الحجم الهائل لنمو الاقتصاد، لا يمكن تلبية الطلب من خلال مصادر الطاقة المتجددة وحدها، وفق أمن عام «أوبك».
وللمنظمة موقف ثابت بأن محاولات خفض الاستثمار في النفط والغاز لمكافحة تغير المناخ «مضللة»، وبأن نقص الاستثمار المخصص للوقود الأحفوري ربما يؤدي إلى نقص في الطاقة واختلال في السوق وارتفاع الأسعار.
دكتاتورية الفيزياء؟
الأسبوع الماضي، وعلى مرأى من عشرات عناصر الشرطة، رفع علماء مناخ تجمعوا في ألمانيا شعارات مختارة بعناية، بينها «لا يمكنكم التفاوض مع الفيزياء!». هذه مقولة لا غبار عليها نظرياً، لكنها تغلق الباب أمام «علم الاجتماع» بأبوابه الواسعة في المساهمة بالتوفيق بين حماية الأرض والبشر معاً من دون الوقوع تحت سيطرة نزعة الربح للشركات العالمية المهيمنة.
حيث إنه بدون دمج رؤية علم الاجتماع السكاني والاقتصادي مع علم الفيزياء الكونية، قد تصبح «دكتاتورية الفيزياء» هي السائدة، وبالتالي اختلاق تناقض وجودي بين المناخ والنشاط البشري.
