في ضوء أزمة تغير المناخ تفرض جملة من الأسئلة نفسها على الأجهزة المصرفية حول العالم، أهمها:
كيف يمكن أن تؤثر تلك الأزمة على البنوك التجارية؟ وكيف يمكن لتلك البنوك في الوقت ذاته «ضرب عصفورين بحجر واحد» لجهة الاستفادة من الأزمة والمساهمة النشطة في جهود الحد من التغير المناخي؟
تتعرض البنوك التجارية لمخاطر وتحديات على أكثر من مستوى في ضوء أزمة المناخ، بينما من ناحية أخرى يعول عليها في القيام بأدوار نشطة في جهود التكيف والتخفيف من تلك الأزمة، لا سيما تقديم منتجات وخدمات مشجعة للاقتصاد الأخضر، وحزم تحفيزية للاستثمار في ذلك التحول، وفي ظل الجديد حول مطالب مراجعة التمويل المقدم لقطاعات الأعمال الأخرى عالية الانبعاثات.
إدارة المخاطر
وفي ضوء تعرض البنوك لضغوط تنظيمية وتجارية متزايدة لحماية نفسها من تأثير تغير المناخ، وللتوافق مع أجندة الاستدامة العالمية يشير تقرير صادر عن شركة الاستشارات الإدارية الأمريكية ماكنزي إلى أهمية تخصيص «إدارة المخاطر المرتبطة بتغير المناخ» بالمصارف التجارية، وذلك بالنظر إلى الآثار المادية لأزمة المناخ، لا سيما الناجمة عن التحولات في الطلب وتطوير موارد طاقة جديدة.
وكذلك الابتكارات الناشئة عن الحاجة إلى معالجة الانبعاثات وإدارة الكربون، وغيرها. وينبه التقرير إلى أن القطاعات التي ستتحمل العبء الأكبر تشمل النفط والغاز والعقارات والسيارات والنقل وتوليد الطاقة والزراعة، ففيما يتصل بالنفط والغاز يمكن أن ينخفض الطلب بنسبة 35% خلال العقد المقبل.
دور حاسم
هناك دراسة حديثة حول البنوك الأوروبية والتغير المناخي نشرتها مجلة «الاقتصاد الأوروبي» في أبريل الماضي، شارك في إعدادها خمسة مؤلفين، ذكرت ضمن نتائجها أن المؤسسات المالية تلعب دوراً حاسماً في مجال التنمية المستدامة، وهي ملتزمة بالعمل كدافعة نحو التحول الأخضر، وبهدف الانبعاثات الصفرية بحلول العام 2050.
الدراسة اعتبرت أن فرصة التغيير ملموسة، وأن أوروبا تمهد الطريق بأنشطة تمويلية كبيرة لدعم هذا الانتقال. في هذا السيناريو المتطور تقوم البنوك بخطوة كبيرة في إنشاء البنية الأساسية لدعم هذا التحول من خلال دمج المكونات البيئية والاجتماعية والحوكمة ومكونات المناخ كونها ركائز أساسية في استراتيجية أعمالها.
تقدم بطيء

يؤكد الرئيس التنفيذي في مركز كوروم للدراسات الاستراتيجية بلندن، الدكتور طارق الرفاعي، في تصريحات لـ«البيان» أن البنوك الأوروبية عملت على تمويل مشاريع التحول إلى الطاقة النظيفة، مساهمة منها في الحد من التغير المناخي، وكان الاتجاه نحو دعم تمويل تلك المشاريع، وتقديم تحفيزات من قبل الحكومات، عبر برامج تمويل مختلفة تقدمها البنوك.
ويعتقد أن هذا الاتجاه يعزز الجهود الرامية إلى التحولات الخضراء، وهو اتجاه إيجابي مدعوم من الحكومات في ضوء الالتزام بالمستهدفات الدولية إزاء أزمة المناخ، لكن المشكلة تكمن في أن التحولات «بطيئة» وليست على المستوى المأمول، فيما يتصل بمشاريع الطاقة الشمسية والطاقة النووية وغيرها. ويتابع الرفاعي:
سعت أوروبا إلى توسعة الاعتماد على الطاقات النظيفة، وخفض الاعتماد على الطاقات التقليدية، لكن التحول المنشود يسير ببطء، وجاءت الأزمة الأوكرانية والعقوبات الأوروبية على روسيا ضمن العوامل التي أسهمت في تأزيم الموقف بالنسبة لأوروبا بعد انقطاع الغاز الروسي.
مجموعتان من المخاطر
وطبقاً لتحليل نشرته شركة إرنست ويونغ، عبر موقعها الرسمي، فإن البنوك عادة ما تضع المخاطر المتعلقة بالمناخ في مجموعتين؛ الأولى مرتبطة بـ«المخاطر المادية»، بدءاً من تلك التي تؤثر على بنية وعمليات البنك وعملائه وحتى التأثير على الاقتصاد الأوسع، وهي تشمل الأحداث المناخية المتطرفة والتحولات طويلة الأجل في المناخ، التي تؤدي إلى إغلاق فروع أو مرافق البيع بالتجزئة على سبيل المثال، ما يؤثر سلباً على الجدارة الائتمانية للعملاء، وعلى أسعار الأصول.
المجموعة الثانية مرتبطة بـ«مخاطر التحول»، التي تؤثر على منتجات وخدمات البنك، نتيجة للتحرك نحو اقتصاد منخفض الكربون، وتشمل مدى قيام البنك بتمويل أو امتلاك حصص في الشركات التي تنبعث منها غازات الاحتباس الحراري، وتوقعات أصحاب المصلحة المتغيرة، والتغييرات القانونية أو التنظيمية المرتبطة بها.
وينظر التقرير إلى «الفرصة النادرة» والمرتبطة بإمكانية الاستفادة من المنتجات والخدمات التي ستساعد في خلق اقتصاد أكثر أكثر ملاءمة للمناخ، وذلك عبر توفير مزايا أكثر شمولية للشركات والمجتمعات.

الخبير الاقتصادي أستاذ التمويل والاستثمار د. مصطفى بدرة، يقول إن المطلوب أن يكون هذا التوجه جماعياً (مسار عالمي ملزم) من البنوك حول العالم؛ من أجل دعم عملية التحول للاقتصاد الأخضر، مع دعم وتشجيع من المؤسسات المالية الدولية المعنية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
ويشير بدرة في تصريحات لـ«البيان» من القاهرة، إلى أنه «يتعين على البنوك أن تلعب دوراً في إعادة النظر في تمويل الشركات الملوثة للبيئة، وأن تكون هناك من ناحية أخرى محفزات ومبادرات لدعم التحول للبيئة الخضراء»، معتبراً أن وضع تحفظات (قيود) على تمويل المشاريع ذات الانبعاثات العالية من شأنه المساهمة في ذلك.
ويؤكد أن خلق ميزة تنافسية للمشروعات التي تحافظ على التكوين البيئي بدعم من البنك الدولي وصندوق النقد وبتشجيع أو توجه عالمي من المجتمع الدولي، من شأنه توسع البنوك حول العالم في ذلك الاتجاه والمضي قدماً إزاء الحد من التغير المناخي.
طوارئ مناخية
وفي هذا السياق، يتعين أن تلعب البنوك دوراً رئيسياً في معالجة حالة الطوارئ المناخية، فعلى الرغم من كل التصريحات الصادرة عن التزام البنوك بالأهداف العالمية في ما يخص المناخ، فإن تريليونات الدولارات من التمويل المصرفي لا تزال تحافظ على صناعة الفحم والنفط والغاز، التي هي في قلب الأزمة، طبقاً لـ«بنك تراك» وهي الحملة المعنية بتتبع أداء البنوك وعلاقتها بالبيئة والمناخ.
والتي ترى أنه «لا يكتمل التزام أي بنك بالمناخ دون التعهد بالتخلص التدريجي من هذا التمويل، والالتزام بتمويل انتقال عادل إلى مجتمع خال من الكربون».
تعمل البنوك أيضاً كونها مصدر تمويل لقطاعات الأعمال الأخرى عالية الانبعاثات، مثل الصلب والأسمنت والبتروكيماويات والتصنيع والنقل والعقارات.
وتتحمل مسؤولية معالجة تمويلها المستمر لقطاعات الأعمال، التي تؤثر على الغابات الطبيعية والنظم البيئية الأخرى المهمة للتخفيف من حدة تغير المناخ، طبقاً للحملة التي تنادي بالإنهاء الفوري لمشاريع التوسع في الوقود الأحفوري لجميع الشركات، والالتزام بالتخلص من التأثير المناخي لمحفظة التمويل بالكامل قبل 2050، وتقليص هذا التأثير إلى النصف بحلول 2030 على أبعد تقدير.
