يتحول الاقتصاد العالمي، بكل مجالاته تقريباً، ببطء شديد جداً إلى اقتصاد أخضر يسهم في درء كارثة التغير المناخي، بحسب أحدث التقارير الصادرة اليوم الأربعاء عن مجموعة من المؤسسات البحثية، والتي نفهم منها أن صحة أطفال الغد باتت على المحك.
ومن المتوقع أن يتسارع التقدم في 40 مؤشراً رئيسياً التفت إليها فريق إعداد أحد التقارير، من الطاقة والصناعة والنقل وإنتاج الغذاء وإزالة الغابات والمالية، بعشرة أضعاف أو أكثر في بعض الحالات، تماشياً مع هدف اتفاق باريس للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض بمعدل 1,5 درجة مئوية.
وأظهر أحدث تقرير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، أن الكوكب شهد احتراراً بحوالي 1,2 درجة مئوية مقارنة بمعدل ما قبل الثورة الصناعية، بسبب انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة من هذه الأنشطة البشرية. وهذا الاحترار وحده يكفي للتسبب بفيض من العواصف والفيضانات والجفاف وموجات الحر، بحسب «فرانس برس».
وقبل أقل من أسبوعين من انطلاق مؤتمر الأطراف المناخي في شرم الشيخ (كوب27)، نبهت هيئة المناخ التابعة للأمم المتحدة اليوم الأربعاء، من أن الالتزامات الدولية الأخيرة بشأن المناخ ما زالت «بعيدة جداً» عن تلبية هدف اتفاقية باريس للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض بمعدل 1,5 درجة مئوية.
تقليص الانبعاثات
الهيئة الأممية أكدت في أحدث تحليل للالتزامات الدولية التي تلقتها، أن خطط تقليص انبعاثات غازات الدفيئة من البلدان الـ193 الموقّعة على الاتفاقية «يمكن أن تضع العالم على طريق ارتفاع الحرارة بمعدل 2,5 درجة مئوية بحلول نهاية القرن الحالي»، بحسب التقرير الذي نقلته وكالة «فرانس برس».
فرغم ارتفاع درجة الحرارة بنحو 1,2 درجة مئوية، يواجه العالم بالفعل الآثار المدمرة لتغير المناخ، كما يتضح من سلسلة الفيضانات الكارثية وموجات الحرارة والجفاف أو الحرائق الضخمة التي شهدها العام 2022.
وشدد مسؤول الأمم المتحدة على أنه «للحفاظ على قابلية تحقيق هدف (1,5 درجة مئوية)، يجب على الحكومات تعزيز خططها الآن وتنفيذها في السنوات الثماني المقبلة».
ويقول خبراء الأمم المتحدة إنه يجب أن تنخفض الانبعاثات العالمية بنسبة 45% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2010، لتحقيق هذا الهدف الذي حُدّد استناداً إلى معدلات الحرارة في عصر ما قبل الثورة الصناعية حين بدأت البشرية تعتمد بدرجة كبيرة على مصادر الطاقة الأحفورية التي تُصدر انبعاثات لغازات الدفيئة المسؤولة عن الاحترار.
ولكن بحسب آخر ملخص للمساهمات المحددة وطنياً، ستؤدي الالتزامات الحالية على العكس من ذلك إلى زيادة بنسبة 10,6% في الانبعاثات خلال هذه الفترة.
في دراسة منفصلة عن الاستراتيجيات الطويلة المدى تجاه «حياد الكربون» نُشرت اليوم، قدرت منظمة الأمم المتحدة للمناخ أن الانبعاثات من البلدان التي تبنّت مثل هذه الخطط يمكن أن تنخفض بنحو 68 في المئة، إذا تم تنفيذها بالفعل. لكنها حذّرت من أن «العديد» من هذه الخطط «غير مؤكدة» ولا تطبيق ملموساً لها.
طاقة نظيفة
وقام الباحثون بتحديد الفجوة العالمية في العمل المناخي، عبر مقارنة الجهود الحالية بالجهود المطلوب إحرازها بحلول العام 2030 وبحلول منتصف القرن في سبيل الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض بمعدل 1,5 درجة مئوية.
رئيسة فريق إعداد التقرير صوفيا بوهم، وهي باحثة في منصة «سيستمز شينج لاب»، قالت إن «الحقيقة الصعبة هي أنه لا يوجد أي مؤشر من المؤشرات الأربعين التي قمنا بتقييمها يسلك المسار الصحيح لتحقيق أهداف 2030». فلمنع ارتفاع درجة الحرارة بشكل خطير، يجب أن ينخفض التلوث الكربوني العالمي بنسبة 40% بحلول نهاية العقد. وبحلول عام 2050، يجب أن يكون العالم محايداً للكربون ويعوض أي انبعاثات متبقية بإزالة ثاني أكسيد الكربون.
ولفت معدو التقرير إلى أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أوجه القصور في قطاع الطاقة وعدم إحراز تقدم في وقف إزالة الغابات.
ووجدوا أن التخلص التدريجي من الفحم المستخدم لتوليد الكهرباء من دون تصفية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون يجب أن يحدث ست مرات أسرع مما يحصل حالياً، أي ما يعادل إيقاف تشغيل نحو ألف محطة طاقة تعمل بالفحم سنوياً على مدى السنوات السبع المقبلة.
الطاقة الأحفورية
ندد خبراء طبيون دوليون اليوم بالاعتماد العالمي الكبير على مصادر الطاقة الأحفورية المسؤولة عن الاختلالات المناخية، محذرين من تبعات سلبية لهذا المسار على صحة البشر. أنتوني كوستيلو، الأستاذ الجامعي والرئيس المشارك لدراسة «لانسيت كاونت داون» السنوية التي يجريها 99 خبيراً من 51 مؤسسة بينها منظمة الصحة العالمية والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية تحت إشراف جامعة «يونيفرسيتي كولدج» في لندن، حذر من أن «العالم يقف عند نقطة تحول يجب أن نتغير. وإلا فإن أطفالنا سيواجهون تسارعاً في تغير المناخ يهدد استمرارهم».
وأظهر التحليل أن الغالبية الكبرى من البلدان لا تزال تخصص مئات مليارات الدولارات في دعم الوقود الأحفوري. وتؤكد الدراسة أن «الاعتماد المفرط والمستمر على الوقود الأحفوري يؤدي إلى تفاقم تغير المناخ بسرعة» و«له تداعيات خطرة على الصحة».
ويترك ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة - التي يزيد احتمال حدوثها بسبب تغير المناخ - ما يقرب من 100 مليون شخص إضافي في مواجهة انعدام الأمن الغذائي الشديد حالياً، مقارنة بالفترة 1981-2010، وفق إليزابيث روبنسون، مديرة معهد أبحاث غرانثام في كلية لندن للاقتصاد، وهي من المساهمين الرئيسيين في التقرير.
وعلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، على نتائج التقرير قائلاً، «إن أزمة المناخ تقتلنا. إنها تضر ليس فقط بصحة كوكبنا، ولكن أيضاً بصحة جميع سكانه، بينما يتصاعد الإدمان على الوقود الأحفوري نحو مستويات خارجة عن السيطرة». ودعا إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة وتوفير مستلزمات الصمود بمواجهة تغير المناخ.
