العالم بعد 24 فبراير العام الجاري، موعد بدء الحرب الروسية الأوكرانية يختلف عما بعده.

تلك مقولة تحظى بإجماع كبير في الأوساط السياسية والاستراتيجية، بل يذهب البعض إلى أن العالم مقبل على مرحلة جديدة من القواعد السياسية والأمنية والعسكرية وحتى الاقتصادية، لما أحدثت وتحدث هذه الحرب، من تحولات على مستوى التحالفات والمصالح بين الدول، بدءاً من القمح إلى الطاقة، انتهاء بالأبعاد الأمنية. 

إذا كان هناك عالم ما بعد أزمة أوكرانيا، فالسؤال: ما هو شكل هذا العالم؟، أو في أقل تقدير ما هي ملامح هذا العالم، وخطوطه العامة؟، وهل نحن بالفعل على أعتاب عالم جديد كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى العام 1919، وكذلك الحرب العالمية الثانية 1945!؟

قبل الحرب الروسية الأوكرانية، كان الحديث عن العالم ما بعد «كورونا» وما هي استراتيجية الدول لحماية نفسها من الأوبئة، وبحسب استطلاع نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية في العشرين من مارس 2021، رأى الدبلوماسي الأكاديمي ريتشارد هاس، انكفاء للدول على الداخل لعدة سنوات مقبلة.

وذلك بعد كورونا، وربما معارضة هذه الدول تدفقات الهجرة بأعداد كبيرة، وعدم الرغبة الدولية في مناقشة القضايا الخارجية بما فيها التغير المناخي.

جون آلين، أبرز جنرالات أمريكا سابقاً ومدير معهد بروكينغز، قال إن الأزمة التي سببها فيروس كورونا ستعيد تشكيل هيكل القوى العالمي بطرق يصعب تخيلها، حيث سيستمر الفيروس بالضغط على النشاطات الاقتصادية وإشعال التوتر بين الدول.

هذا العالم الجديد لم يكتب له أن يتشكل وطرأت على العلاقات الدولية أزمة جديدة من نوعها، لم تحدث منذ الغزو العراقي للكويت عام 1990، لترسم الحرب الروسية الأوكرانية ملامح عالم جديد وفق رأي الكثير من الباحثين والمنظرين في السياسة الدولية.

الحرب الأوكرانية أفرزت معسكرين واضحي المعالم، وثمة معسكر ثالث ينتهج الحياد، إلا أن الواقع الحقيقي يقول إن الكل ينتظر نهاية هذه الحرب، لأنه بدأ يرسم سياساته وفق نتائجها أو مسارها في الوقت الحالي. ويستبعد مراقبون تدهور الوضع نحو حرب عالمية ثالثة، باعتبار أن دول الغرب مازالت غير منخرطة بشكل مباشر في الصراع.

ولا يبدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحمساً لإعلان الحرب بشكل واسع النطاق، لكن لا يبدو أنه مستعد للعودة إلى ما قبل 24 فبراير 2022، وعليه فإن التحدي مستمر ومضاعفاته ستكون أكبر في الأيام المقبلة، على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني وعلى مستوى خارطة التحالفات والتوازنات العالمية.

انقسام

حتى الآن تشير التقارير الغربية إلى أن المساعدات الغربية العسكرية لأوكرانيا تجاوزت عشرة مليارات دولار، مع العلم أن هذا الرقم قابل للارتفاع في الفترة المقبلة، خصوصاً بعد إعلان الرئيس الروسي ضم أربع مناطق في شرق أوكرانيا إلى روسيا، إذ إن الغرب بات ينظر إلى الحرب الأوكرانية باعتبارها ساحة إنهاك وإضعاف لروسيا وبوتين.

ملامح الصراع في هذا المشهد واضحة المعالم، ونحن أمام معسكرين كل منهما يريد انتصار وجهة نظره، بينما الأمر الأكثر تأكيداً أن العالم بات منقسماً بشكل عسكري أيديولوجي إلى حد كبير وفق تصوير المتخصص في الشؤون الأمريكية مسعود معلوف الذي يرى أن الاصطفافات الدولية بدأت تتعمق.

حيث تندرج الصين في محور مشترك مع روسيا ضد الغرب، وهذا شكل من أشكال العالم الجديد، على الرغم من العلاقات الاقتصادية بين الصين وأوروبا، إذ إن الاقتصاد لم يعد العامل الوحيد في رسم العلاقات بين الدول، لافتاً (معلوف) إلى زيارة بوتين إلى الصين قبل الحرب الأوكرانية واتفاق البلدين على تشكيل عالم متعدد الأقطاب.

وقد يكون تراجع أولوية المصالح الاقتصادية مقارنة بالتهديدات الأمنية وهواجس الهيمنة من أشكال العالم ما بعد الحرب. أما الكاتب الروسي هيثم بدرخان، فيرى أن العالم مقبل على التغيير بعد الحرب الأوكرانية، وقد يكون العالم الجديد قائماً على القطبية الحقيقية العملية لا النظرية.

لافتاً إلى أن نتائج الحرب بكل تأكيد ستفرز مرحلة جديدة كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية. ويخشى الكاتب رفيق خوري أن يكون استخدام القوة في العلاقات الدولية جزءاً من هذا العالم.

مشيراً إلى أن التلويح بالقوة وصل إلى حدود التلويح باستخدام السلاح النووي، خصوصاً وأن روسيا لا تحتاج مزيداً من الأرض ولا الحاجة إلى ممر استراتيجي إلى بحر أزوف.

سيناريوهات

هناك سيناريوهات للحرب الأوكرانية، حسبما ترى مجلة فورين بوليسي الأمريكية، وفق حديثها مع 10 خبراء في السياسة الدولية من الولايات المتحدة ودول أوروبية، حيث ترى أن هذه السيناريوهات قد تكون في النهاية متشابكة لتؤدي إلى نتيجة واحدة.

من الآراء المكثّفة حول الشكل الجديد للعالم ما بعد الحرب الأوكرانية، رأى ألفريد كامر مدير عام الإدارة الأوروبية في صندوق النقد الدولي، في إحدى الندوات حول الأزمة العالمية الاقتصادية: «نحن نعيش في عالم معرض بشكل أكبر للصدمات». ثم استطرد قائلاً «نحتاج إلى القوة الجماعية للتعامل مع الصدمات القادمة».

الكل يجمع على أننا أمام عالم جديد، ما بعد هذه الحرب، إلا أن النتائج هي التي تفرض شكل العالم الجديد على المستويات كافة، ولعل الأمن الاستراتيجي هو الأساس في شكل هذا العالم، خصوصاً وأن حرب روسيا مع أوكرانيا جاءت على أساس الأمن الاستراتيجي.