وجد عدد من الدراسات العلمية والتقارير البحثية علاقة (مباشرة أو غير مباشرة) بين انهيار حضارات قديمة والتغير المناخي.
وذلك من خلال فحص تعقيدات النُظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في تلك الحضارات والصدمات الخارجية التي تعرضت لها، لا سيما ما يتعلق بالتغير المناخي، وذلك ضمن التفسيرات المعاصرة لعوامل انهيار تلك الحضارات، وهي التفسيرات التي يثار حولها جدل علمي.
من بين الحضارات القديمة التي تتناولها دراسات عدة على اعتبار أنها تأثرت باعتبارات مرتبطة بتغير المناخ، حضارة «المايا» في شبه جزيرة يوكاتان في أمريكا اللاتينية (بالقرنين الـ 13 و14)، طبقاً لدراسة نشرتها دورية «نيتشر كومينيكيشنز» في يوليو الماضي، أجراها فريق بحثي دولي مشترك.
كما تشير أبحاث أخرى إلى انهيار «الإمبراطورية الأكدية»، وهي أول إمبراطورية قديمة في بلاد ما بين النهرين، بعد الحضارة السومرية المديدة، بسبب «الشتاء البارد الطويل» الذي تعرضت إليه، طبقاً لدراسة أجراها فريق بحثي من جامعة أوكايدو اليابانية، ونشرت قبل عامين في دورية «جيولوجي»، كما تشير دراسات أخرى لانهيارات مماثلة، مثل حضارة الفايكنغ.
وباعتبار أن الحضارة لا يمكن أن توجد في أماكن غير صالحة للعيش، وأن النشاط البشري يتأثر بالتغير المناخي، فإن أدبيات علوم المناخ «ليس لديها الكثير لتقوله حول ما إذا كان تغير المناخ قد يهدد الحضارة»، طبقاً لتقرير بحثي حديث، نشرته مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة.
ضغوطات مترابطة
التقرير المذكور لاحظ أن الأبحاث التاريخية والأثرية تشير إلى أن الانهيارات المجتمعية السابقة نادراً ما كانت نتيجة لاضطرابات مناخية «مباشرة»، لكنها بدلاً من ذلك كانت تُعزى بشكل أكثر شيوعاً إلى مجموعة من الضغوطات المترابطة.
وهذا لا يعني أن خطر انهيار المناخ مبالغ فيه، بل على العكس من ذلك، فإن البحث يشير إلى أن الانهيار يمكن أن يكون قد نتج عن تأثيرات المناخ التي ربما تكيفت معها الحضارة العالمية.
المؤرخ وعالم المصريات، الدكتور بسام الشماع، يقول لـ«البيان» إن «القول بانهيار حضارات قديمة بسبب المناخ كسبب رئيسي (مباشر) لا يُمكن التسليم به من دون تأكيد شواهد ذلك الانهيار، كأن يتم رصد آثار أعداد هائلة من جثث البشر والحيوانات من دون دفنات ماتوا جراء الجفاف أو المجاعة أو الفيضانات».
ويلفت إلى أن الأمر برمته يحتاج إلى دراسة تتناول الشواهد التاريخية والأثرية الدالة على ذلك الارتباط المباشر بين انهيار الحضارات وتغير المناخ، موضحاً أن القدماء المصريين أدركوا أهمية المناخ، وكان من عوامل تماسك الحضارة القديمة وقوتها إدراك عوامل التغير المناخي والتعامل معها.
التقرير المذكور دعا إلى أهمية التعامل مع الآليات والشكوك المرتبطة بهذا الانهيار كموضوع بالغ الأهمية للبحث العلمي، يتطلب القيام بذلك توضيح ما يعنيه «انهيار الحضارة»، وشرح كيفية ارتباط ذلك المفهوم بالموضوعات التي يتم تناولها في علم المناخ، مثل المخاطر المتزايدة من أحداث الطقس المتطرفة سريعة وبطيئة الحدوث.
عوامل التغير المناخي
يقول الشماع في معرض حديثه مع «البيان» إن الحضارة المصرية القديمة شهدت عوامل التغير المناخي، حتى إنها مرت بفترات جفاف، وتشهد «لوحة المجاعة» الموجودة بجزيرة سهيل بأسوان، على هيئة صخرة منحوتة، على سبع سنوات من الجفاف والمجاعة (كان ذلك في عهد الملك زوسر)، لكن المصري القديم أدرك هذه التغيرات مبكراً واستطاع التعامل معها.
«عرف المصري القديم التغيرات المناخية، وعرف الطقس ومواعيد هطول الأمطار، بل وعرف الثلج أيضاً، والرياح، (فقد كان هناك معبود للرياح، هو الإله ست)، وقد كان لزاماً على المصري القديم أن يتابع السماء وحركة النجوم، لمعرفة موعد الفيضان، عندما كانت تظهر نجمة يسميها (سبدت) بطريقة معينة، كان ذلك نذيراً ببدء موسم الفيضان في 19 يوليو».
وذكر الشماع عدداً من الشواهد التي تؤكد إدراك المصري القديم أهمية المناخ وتقدمه العلمي في ذلك بقوله: «أجد صعوبة في تصديق أي تفسيرات تتحدث عن انهيار الحضارة المصرية بسبب المناخ، في ضوء تقدم المصريين القدماء في التعامل مع المناخ»، معتبراً أن «الانهيار ارتبط بعوامل أخرى سياسية واقتصادية».
وبينما يشير التقرير البحثي إلى أنه «قد لا يكون انهيار المناخ حدثاً مفاجئاً، بل عملية ممتدة تبدأ صغيرة وتنتهي على مدار قرن أو أكثر»، فإنه يلفت في السياق ذاته إلى أن الخطر على الحضارة ليس من التأثيرات المناخية المباشرة بشكل مستقل، بل بالأحرى مع تلك الآثار التي تحدث جنباً إلى جنب مع «ردود الفعل الاجتماعية المختلة والعوامل الأخرى المزعزعة للاستقرار».
سيناريوهات مستقبلية
لكن على صعيد آخر، رصد التقرير ثلاثة سيناريوهات مستقبلية رئيسية تربط بين أي انهيار حضاري والعوامل المناخية، أول تلك السيناريوهات مرتبط بتأثير تغير المناخ على «مواقع محددة معرضة للخطر».
بينما تكون الحضارة في أماكن أخرى قادرة إلى حد كبير على التكيف مع تأثيرات المناخ، يعرف ذلك السيناريو بـ«الانهيار المحلي»، وتشير الورقة البحثية إلى أن «الانهيارات المحلية يمكن أن تسهم في عدم الاستقرار السياسي بالأماكن غير المنهارة».
أما السيناريو الثاني، الذي يعرف بـ«الانهيار الحضري» أو «الوطني» فيرتبط ببعض المراكز الحضرية الكبيرة والحكومات الوطنية التي تعاني من تأثيرات مناخية سلبية، مثل أزمة المياه المستمرة وندرة الغذاء.
والسيناريو الثالث هو «الانهيار العالمي»، وهو السيناريو الأكثر كارثية، مع اعتبار أن دول العالم كافة أصبحت في ذلك الوقت معرضة للخطر الشديد، وعلى حافة الهاوية بسبب المزيد من التأثيرات المناخية.
الانهيار العالمي
كما حدد التقرير ثلاثة أسباب أساسية تهدد بـ«الانهيار العالمي»، ممثلة في: التأثيرات المباشرة لتغير المناخ (ارتفاع مستويات سطح البحر والجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة)، والتفاعلات الاجتماعية المناخية (الصراعات السياسية والاختلالات الوظيفية التي تقوض القدرة على التكيف).
إضافة إلى التأثر بالصدمات الخارجية (ضعف العالم أمام أنواع أخرى من الصدمات، مثل الحروب والأوبئة).


