الحديث عن مساعدات وتمويل تقدمه الدول الغنية الأكثر تلويثاً للبيئة والمناخ لا ينقطع في أي منتدى ومؤتمر دولي.
لكن التضليل لا يغيب عن البيانات التي تتفاخر بها الدول الغنية أمام العالم في تقديم المساعدات للدول الفقيرة والأكثر معاناة من التغير المناخي، حيث إن عقلية الربح لوّثت جزءاً كبيراً من المساعدات الإنسانية المقدمة من الدول الكبرى.
وقد كشفت منظمة أوكسفام الدولية عن هذا التضليل، فالدول الغنية وفقاً للمنظمة، تقصر في الوفاء بالتزامات تمويل المناخ تجاه الدول الفقيرة وتستخدم حسابات «مضللة» و«غير نزيهة» لتضخيم حجم المبلغ الذي تقدمه.
وفي الحصيلة، قدمت الدول الغنية أقل من 25 مليار دولار في صورة تمويل عام في عام 2020، مقارنة بنحو 70 مليار دولار أعلنت عنها. واللافت أن الكثير من الأموال يجري تقديمها كقروض، مما يدفع الدول لمزيد من الديون، في حين أن الأموال المقدمة غالبا ما يكون تركيزها أقل على قضايا المناخ مما هو معلن.
مساهمات الدول الغنية لا تستمر فقط في الانخفاض بشكل مزر عن هدفها الذي وعدت به، ولكنها أيضاً مضللة للغاية، فبدلاً من دعم البلدان التي تواجه حالات الجفاف والأعاصير والفيضانات المتفاقمة، فإن الدول الغنية تعمل على شل قدرة الدول الفقيرة على التعامل مع الصدمة التالية وتعميق فقرها، بحسب نافكوت دابي، رئيسة سياسة المناخ في منظمة أوكسفام.
فيضانات استثنائية

شهدت جمهورية تشاد التي تعد واحدة من أكثر دول العالم فقراً وجفافاً، فيضانات استثنائية أثرت على حياة مئات الآلاف من سكانها الذين يكافحون بيأس للنجاة من التداعيات. ومنذ نهاية يونيو ألحقت الفيضانات أضراراً بأكثر من 340 ألف شخص، وفق تقرير أممي غير نهائي. وتضرر أكثر من 60 ألف شخص في المنطقة المحيطة بحي واليا، وفق السلطات.
في العاصمة المنكوبة نجامينا امتلأ حقل كبير بالخيم التي نُصبت لتوفير مراكز إيواء للنازحين من المناطق المنكوبة، في حين يحاول ضحايا انتشال ما أمكن من مقتنياتهم من تحت أنقاض منازلهم.
في حي واليا الفقير في جنوب المدينة، جرفت الفيضانات عشرات المنازل بعدما فاضت مياه نهر شاري على أثر هطول أمطار غزيرة. وارتفع منسوب المياه إلى خمسة أمتار، وهو مستوى أدى ذلك إلى جرف عوائق يدوية الصنع كان السكان قد أقاموها في محاولة للحد من الأضرار.
مليار طفل

تهدد تداعيات التغيّر المناخي مليار طفل حول العالم، حيث إن مستويات معيشة القاصرين في سائر أنحاء العالم لم تتحسّن خلال العقد الماضي.
ووفق منظمة (حقوق الأطفال) غير الحكومية ومقرّها في هولندا في دراسة سنوية إنّ جائحة كوفيد 19 كان لها أيضاً تأثير كبير على الأطفال، إذ إنّهم حُرموا أحياناً من الطعام أو الدواء بسبب الاضطرابات في القطاع الصحّي، ممّا أدى إلى وفاة حوالي 286 ألف طفل دون سنّ الخامسة.
وقال مؤسّس المنظمة ورئيسها مارك دولارت في بيان إنّ مؤشّر 2022 «مقلق لأجيالنا الحالية والمستقبلية من الأطفال». وأوضح أنّ «مناخاً يتغيّر بسرعة يهدّد الآن مستقبلهم وحقوقهم الأساسية».
وأعرب عن أسفه لأنه «لم يُحرز تقدّم كبير في مستويات معيشة الأطفال خلال العقد الماضي، وبالإضافة إلى ذلك، تأثّرت سبل عيشهم بشدّة».
سرطانات البحر
قبالة سواحل ألاسكا، يشكّل بحر بيرينغ موطناً لمجموعة شهيرة من القشريات تُسمى سرطان البحر الثلجي، تعيش كما يوحي اسمها في المياه الباردة...
لكن تراجع أعدادها في السنوات الأخيرة بسبب الاحترار المتسارع دفع بالسلطات إلى اتخاذ قرارات غير مسبوقة لحمايتها. فقد صدر قرار رسمي يحظر بالكامل هذا الموسم أي عملية صيد لهذا النوع الذي يشكل مع ذلك مورداً رئيسياً لسكان المنطقة.
وبحسب آخر إحصاء أجري خلال الصيف الفائت، تراجع عدد سرطانات البحر الثلجية إلى 1,9 مليار سنة 2022، في مقابل 11,7 ملياراً سنة 2018، ما يعني تدهور أعدادها بنسبة تقرب من 85 %.
وأوضحت عالمة الأحياء إرين فيديوا التي تعمل على إحصاء سرطانات البحر أن التغير المناخي هو المسؤول الأول عن هذه الكارثة. فبين 2018 و2019، تسببت موجات قيظ برفع كبير في معدلات حرارة أعماق المياه.
ازدواجية معايير

في العام الماضي، حصلت جنوب أفريقيا على قروض ومنح بقيمة 8,5 مليارات دولار من دول غنية عدة لتمويل الانتقال إلى طرق أكثر مراعاة للبيئة. ومن المقرر أن تختتم مفاوضات شائكة حول كيفية إنفاق الأموال قبل انعقاد مؤتمر الأطراف بشأن المناخ (كوب27) في مصر. والفحم هو أحد أعمدة اقتصاد جنوب إفريقيا، ويعمل في قطاعه نحو 100 ألف شخص ويوفر 80 % من الكهرباء في البلاد.
لكن يتعين على أكبر اقتصاد صناعي في إفريقيا التخلص من هذا الوقود لتأدية دوره في مكافحة الاحترار الحراري. ولا ينظر مسؤولون بعين الرضا إلى الضغط الدولي الممارس على جنوب إفريقيا. يأتي ذلك فيما تُقبل أوروبا مجدداً على الفحم في أعقاب أزمة الغاز التي أشعلتها الحرب في أوكرانيا ويرى البعض في ذلك دليلاً على ازدواجية المعايير.
