تكافح دول القارة الأفريقية من أجل التكيف والحد من التغير المناخي، باعتبارها من أكثر المناطق حول العالم تأثراً بأزمة المناخ، برغم محدودية مشاركتها في الانبعاثات مقارنة بالدول الصناعية المتقدمة التي تتحمل المسؤولية الأكبر، في انبعاث الغازات المسبّبة للاحتباس الحراري.
يقدر إجمالي ما تحتاجه دول القارة الأفريقية بحلول العام 2030 لتمويل العمل المناخي بنحو 3 تريليونات دولار، طبقاً للإحصاءات التي وردت بمنتدى مصر للتعاون الدولي والتمويل الإنمائي الذي انعقد أخيراً، والذي تم خلاله تسليط الضوء على تداعيات أزمة المناخ على القارة السمراء، والتي تحتاج سنوياً ما قيمته من 140 إلى 300 مليار دولار.
بينما تفقد من 5% إلى 12% من إجمالي الناتج المحلي على وقع التغيرات المناخية.
تلك المعضلة التمويلية التي تواجهها قارة أفريقيا في تمويل العمل المناخي، مرشحة للتفاقم في ظل الظروف غير العادية التي تعتري العالم والتداعيات الناجمة على التطورات الجيوسياسية المختلفة، لا سيما الحرب في أوكرانيا المستمرة منذ الرابع والعشرين من شهر فبراير الماضي، والتي كانت لها انعكاسات شديدة الخطورة على عديد من الأصعدة المختلفة، بما في ذلك العمل المناخي والتزامات الدول الكبرى.
وبالنظر إلى جملة التحديات التي تواجه كثيراً من دول القارة، من أوضاع سياسية واقتصادية وأمنية غير مستقرة، فإن القارة بحاجة ماسّة إلى دعم أوسع (على المستويين الفني والمالي)، لتحديد مساهمتها المحددة وطنياً بشأن أجندة العمل المناخي، وكذا تعزيز القدرة على تنفيذها بشكل فعال.
ولمواجهة «المعضلة الأفريقية» المذكورة يتطلب ذلك الالتزام بالآليات المطلوبة من أجل الوفاء بالالتزامات المناخية من جانب الدول الكبرى (التي تعهدت بتقديم 100 مليار دولار للدول النامية لمواجهة أزمة المناخ) والتي لم يتم الوفاء بها.
مسؤولية
مستشار برنامج المناخ العالمي الدكتور مجدي علام، يلفت إلى أن مساهمة الدول الصناعية الكبرى في التغير المناخي تصل إلى 80% وبالتالي تقع عليها مسؤولية دعم الدول النامية، ومن بينها دول القارة السمراء التي لا تتجاوز نسبة مساهمتها في الغازات المسببة للاحتباس الحراري الـ 4%.
وعلى الرغم من ذلك، فإن القارة التي تسهم بنسبة 3.8% فقط من الانبعاثات الضارة، بادرت دولها في وقت سابق بالتوقيع على اتفاقية باريس للمناخ، وعملت 38 دولة أفريقية منذ شهر أكتوبر العام الماضي على تحديث مساهمتها المحددة وطنياً في أجندة العمل المناخي، التزاماً بالأهداف الدولية في هذا الإطار، وإدراكاً لخطورة الأزمة.
ويوضح علام أنه بينما تلك الدول الأقل مساهمة في الانبعاثات تعاني بشكل أكبر من الدول الأكثر مساهمة في الانبعاثات، يتعين على الدول الكبرى الالتزام بمسؤوليتها إزاء البيئة والمناخ، والوفاء بتعهدات تقديم 100 مليار دولار سنوياً.
وتحتاج أفريقيا الكثير من أجل المضي قدماً في استراتيجيات الحد من التغير المناخي بموازاة استراتيجيات التنمية والتعامل مع الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية ذات الأولوية. في مقدمة تلك الاحتياجات التحول إلى الطاقة الجديدة، ويعتبر الدعم المقدم من المجتمع الدولي ركيزة أساسية لهذا التحول.
وفي غضون ذلك، يشير إلى أن آليات العمل الخاصة بمواجهة أزمة المناخ، والممثلة في التكيف والمواجهة، بما يتطلبه ذلك من استراتيجيات مختلفة تتضمن الإسراع في التحول إلى الطاقة النظيفة، وهو تحدٍ كبير في ظل ما يشهده العالم من تطورات، وكذلك مع مغريات الوقود الأحفوري، لجهة انخفاض ثمنه، وكذلك حجم الاستثمارات الكبير الذي تحتاجه عملية التحول إلى الطاقة النظيفة.
تحديات واسعة
وبينما يواجه العالم تحديات مختلفة متزامنة، بدءاً من جائحة كورونا وتداعياتها الشديدة ووصولاً إلى العملية الروسية في أوكرانيا وما ينجم عنها من تبعات على عديد من الصُعد، تواجه «معضلة تمويل العمل المناخي» جملة من التحديات، لا سيما بالنسبة للدول النامية. ويسلط الخبير البيئي الدكتور محمد الزرقا الضوء في هذا الإطار على الرهان الملقى على عاتق قمة المناخ المرتقبة في شرم الشيخ، لتشكل تأكيداً مباشراً على التزامات الدول الكبرى بتقديم الدعم للدول النامية فيما يتعلق بالتكيف والحد من آثار التغير المناخي.
ويلفت إلى أن تعهدات الدول الكبرى التي تسعى قمة «شرم الشيخ» المرتقبة التأكيد عليها، تواجه تحدياً كبيراً في ضوء التهديدات التي يعيشها العالم على أثر جملة التطورات المختلفة الراهنة، لا سيما الحرب في أوكرانيا، وما تعكسه من تحولات لها تداعيات اقتصادية هائلة تهدد مدى وفاء والتزام الدول الكبرى بتعهداتها السابقة في قمة باريس.
مشيراً إلى أزمة الطاقة وارتفاع الأسعار وبدائل الغاز الروسي وغيرها من الأزمات التي تواجهها الدول الكبرى بعد الحرب في أوكرانيا، وجميعها قد يكون لها تأثير على تعهدات تلك الدول فيما يخص أزمة المناخ، وبما يتضمن التعهدات المرتبطة بدعم وتمويل الدول النامية بمبلغ 100 مليار دولار سنوياً.
(مصدر البيانات: منتدى مصر للتعاون الدولي والتمويل الإنمائي)
