تركيا واليونان صراع في ظلال «الناتو»

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم تتوقف المشاحنات التركية- اليونانية في الجو حتى اندلع توتر جديد في البحر، ما يوحي بمزيد من التصعيد بين الجارين اللدودين.

في 24 أغسطس الماضي استدعت أنقرة الملحق العسكري اليوناني، بعد أن قدمت شكوى إلى حلف الناتو، الذي ينتمي إليه الطرفان اليوناني والتركي، إثر اتهامات تركية لليونان بأن مقاتلاتها ضايقت مقاتلات تركية كانت تقوم بمهمة للحلف.

في العاشر من سبتمبر الجاري، اتهمت أنقرة وحدات من خفر السواحل اليوناني باستهداف سفينة «أناتوليان» المخصصة للرحلات التجارية.

والتي كانت ترفع علم جزر القمر أثناء إبحارها في المياه الدولية قبالة جزيرة تركية، الأمر الذي يعيد الخلافات التركية- اليونانية في بحر إيجة إلى الواجهة، في ظل تنامي الأزمات الدولية، فأين تقع المشكلة اليونانية التركية، وما هي أبعاد التصعيد والمواقف المحتملة من الناتو والولايات المتحدة!

تطول قائمة الخلافات التركية- اليونانية، بدءاً من تقسيم قبرص من قبل الجانب التركي، ودخول القوات التركية قبرص في العام 1974، وتقسيم قبرص إلى يونانية وتركية، مروراً بأزمة اللاجئين حيث ترى أثينا تركيا جزءاً منها، بسبب تدفق اللاجئين من تركيا إلى اليونان، وصولاً إلى أزمة المجال الجوي والبحري في بحر إيجة وهي المشكلة الأكثر حضوراً بين الطرفين.

وعلى الرغم من المحاولات الهشة والخجولة من الطرفين لطي كل هذه الملفات، إلا أن حجم المشاكل بين الطرفين أكبر من التجاوز، ففي مارس الماضي، هبت رياح الطمأنينة بين الجانبين التركي واليوناني، حين التقى رئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميتسوتاكيس، في إسطنبول، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للحديث عن القضايا المشتركة.

إلا أنه لم يحدث أي اختراق في حل الخلافات بين الطرفين، وما الأزمة الأخيرة بإطلاق النار من قبل خفر السواحل اليونانية على السفينة التركية التجارية «أناتوليان» إلا دليل على عامل الثقة، الذي يغيب عن هذه العلاقة.

خلافات بحرية

بالحديث عن الخلافات في تقسيم الحصة المائية في مياه البحر المتوسط يعني الحديث في الوقت ذاته عن الصراع على الغاز، إذ فاقم اكتشاف احتياطات النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، حدة الخلافات بين أنقرة وأثينا. وتقول اليونان: إن تركيا تقوم بالحفر والتنقيب في هذه المناطق بشكل غير قانوني، في حين تقول أنقرة:

إن ما تقوم به هو ضمن منطقتها الاقتصادية، باعتبار السيطرة على قبرص أو ما يسمى «قبرص التركية»، حيث ازدادت أنقرة بعمليات التنقيب عن الغاز في المياه الغربية لقبرص، الأمر الذي دفع اليونان الحليفة لقبرص إلى توقيع اتفاقيات مع مصر عام 2003 ومع تل أبيب عام 2005، ومع لبنان عام 2007، وتجاهلت حقوق «القبارصة الأتراك»، وهذا ما أثار حفيظة الجانب التركي.

في نوفمبر 2019 وقعت تركيا مذكرتي تفاهم مع حكومة الوفاق الليبية بشأن تحديد مناطق النفوذ البحرية، وذلك لتوقف التحركات القبرصية عند جزيرة كريت، التي سيمر فيها خط نقل الغاز والنفط إلى أوروبا عبر اليونان، فكان رد فعل اليونان هو طرد السفير الليبي، وتوقيع اتفاق مع إسرائيل وقبرص اليونانية لمد خط الغاز «إيست مد» في 2 يناير 2020 نحو إسرائيل.

ويرى المحللون أن الأزمة مرشحة للانفجار في أي وقت، خصوصاً في ظل الصراع على الطاقة بعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

ويقول الباحث المتخصص في الجغرافيا السياسية الإقليمية للطاقة، جورج تزوجوبولوس، إن العلاقات بين البلدين باتت في دائرة الخطر خصوصاً في العامين الأخيرين.

ولم يستبعد وقوع حادث عسكري ما في أي وقت في شرق المتوسط، بل يذهب تزوجوبولوس إلى أن التصعيد قد لا يأتي من أثينا بقدر ما يأتي من الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبار أن اليونان تشكل الجبهة الجنوبية الشرقية لحلف الناتو، وربما هذا ما يفسر عدم تسليم واشنطن تركيا طائرات إف 35، أو على الأقل تبرر واشنطن عدم تسليمها بمخاوف اندلاع توتر جديد مع اليونان.

إشكالية عسكرية

ويضاف إلى خلاف الغاز والطاقة، الإشكالية العسكرية، إذ تتهم أنقرة اليونان بنشر التسليح في جزر بحر إيجة القريبة من السواحل التركية، حيث تقول انقرة إن اليونان نصبت منظومة صواريخ إس 300، بينما نص الاتفاق على أن تكون هذه المنظومة مجمدة، في دليل واضح على الحذر والقلق المتبادل من الطرفين.

وعلى ما يبدو فإن الوقت غير مناسب إطلاقاً لمثل هذه التوترات التركية- اليونانية، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، فالمسألة التركية- اليونانية هي صداع تاريخي، وعمل قلق بالنسبة إلى حلف الناتو، لا سيما أن البلدين ينتميان إلى الحلف.

وبالتالي فإنه في حال حدوث أي توتر عسكري على الحدود بين الطرفين، سيكون هناك موقف عميق وقوي من «الناتو» المشغول والغارق في المسألة الأوكرانية، لكن إلى متى يمكن ضبط هذا التوتر، في ظل غياب إحساس الطرفين التركي واليوناني بعدم تحقيق العدالة الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية؟

بورجو أوزتشيليك، الباحثة في جمعية هنري جاكسون والمحاضرة في جامعة كامبريدج البريطانية تقول: إن التوترات تتصاعد بين اليونان وتركيا منذ عقود، إلا أنها تفاقمت بسبب اكتشاف حقول واسعة من الغاز في شرق البحر المتوسط، وهو ما أدى إلى تفاقم مشكلة المناطق البحرية المتداخلة.

لكن الخوف الكبير من الظروف الموضوعية في الحالتين التركية واليونانية، وهي الانتخابات المقبلة، التي يحتاج فيها كل زعيم إلى مشكلة خارجية ترفد الصناديق الانتخابية، فتركيا مقبلة في يونيو المقبل على انتخابات، وربما تكون ورقة التوتر مع اليونان مفيدة.

كما أن اليونان أيضاً تعيش ذات الظرف، إذ من المحتمل التوجه إلى انتخابات مبكرة، وهذه فرصة أيضاً للحكومة المحافظة في اليونان أن تستثمر في التوتر مع الجارة تركيا.

 

طباعة Email