العقارات والمناخ تأثير مزدوج وحلول مستدامة «مُكلفة»

ت + ت - الحجم الطبيعي

تطول أزمة المناخ القطاعات كافة، وتشكل تهديداً متزايداً لحياة الناس بما يتطلب تسريع وتيرة الجهود الوطنية والإقليمية والعالمية على مساري المواجهة والتكيف مع آثار التغير المناخي.

والحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة، ومن خلال تشجيع حلول التنمية المستدامة في شتى القطاعات، بما في ذلك قطاع العقارات الذي يشارك بنسبة تصل إلى 40 % من حجم انبعاثات الكربون (11 % من تلك النسبة ناتجة عن مواد البناء). 

وتشكل أزمة المناخ في الوقت نفسه تهديداً واسعاً لصناعة العقارات في مختلف المجالات، يُمكن رصد هذا التأثير في جانبين رئيسيين، الأول يتعلق مباشرة بحجم التضرر الذي يواجهه القطاع في المناطق الأكثر خطورة المُهددة بتداعيات وآثار التغير المناخي مثل الأعاصير والفيضانات وخلافه، أما الجانب الآخر فيرتبط بتضرر العقارات في المناطق الأقل خطورة وبشكل تدريجي بآثار أزمة المناخ وارتفاع درجة حرارة الأرض، ما إن لم يتم اتباع حلول مستدامة في البناء مراعاة للمستقبل.

تنعكس تلك الجوانب على عدد من المحاور الأساسية، بما في ذلك أيضاً عزوف الكثيرين عن السكن والعيش في مناطق بعينها (يُعتقد بكونها مرشحة لتداعيات أخطر).

في مقابل ارتفاع أسعار عقارات في مناطق مختلفة يعتقد بأنها أكثر أمناً، وكذلك المباني الخضراء، ضمن جملة من المتغيرات التي يواجها قطاع الاستثمار العقاري والعامل المشترك فيها هي القضايا البيئية وتداعيات أزمة المناخ، التي تنعكس على رؤى واستراتيجيات تقييم المخاطر.

القطاع العقاري

المهندس الاستشاري، خبير التقييم العقاري بالقاهرة إبراهيم مدني، يقول في تصريحات خاصة لـ«البيان»، إن أوجه التضرر التي يعاني منها قطاع العقارات الناجمة عن آثار التغير المناخي ليست بصورة مباشرة في الأغلب، ويصعب الشعور بها فورياً مثل قطاعات أخرى، موضحاً أن المسألة ترتبط بأبعاد فنيّة مُتخصصة يدرسها ويدركها المتابعون لقضية التغير المناخي لجهة تأثير وتأثر القطاع بالقضية، والحلول المستدامة لأزمة المناخ.

ويشير إلى أن التأثير الناتج عن تضرر العقارات في بعض المناطق الأكثر تأثراً بالفيضانات والأعاصير ربما لا يلمسه الجميع بصورة مباشرة (في إشارة لتباين تقييم المخاطر من منطقة لمنطقة على حسب مدى التضرر، ومن ثمّ تباين الحلول والخطط الاستراتيجية المتبعة).

لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى «المباني الخضراء» باعتبارها من ضمن الوسائل الصديقة للبيئة، وضمن الحلول المستدامة في قطاع العقارات، والتي تراعي المعايير البيئية، لكنه يوضح بالتزامن مع ذلك أنه كلما كان المبنى متوافقاً مع البيئة (موفراً للكهرباء ومحاطاً بسياجات خضراء ويعمل بالطاقة الشمسية.

ومن مواد صديقة للبيئة، وغير ذلك من الأمور التي تراعي الأبعاد البيئية والمناخية) كلما ارتفع سعر العقار، في إشارة إلى المعضلة التي تواجه الحلول المستدامة من هذا النوع في القطاع، لجهة ارتفاع التكلفة.

وبحسب شركة ريبورت لينكر الفرنسية، فإنه - رغم ارتفاع التكلفة - فمن المتوقع أن يقفز عدد المباني الخضراء من نحو 76 ألفاً في 2019 وصولاً إلى أكثر من 534 ألفاً بحلول 2028.

ويعتبر التغير المناخي ضمن العوامل الرئيسية التي صارت ضمن أولويات المطورين العقاريين لدى تقييم المخاطر، ذلك برغم أن شركات الاستثمار العقاري لا تزال متأخرة نوعاً ما في الانتباه لتلك المخاطر وبناء الخطط الاستثمارية بناءً عليها.

وهو ما تؤكده دراسة صادرة عن منظمة Urban Land Institute قدّمت أبرز عوامل تقييم المخاطر المرتبطة بالقطاع العقاري والناجمة عن التغير المناخي، ذلك أن العام 2020 على سبيل المثال قد شهد نحو 40 كارثة حول العالم نتج عنها خسائر بملايين الدولارات جراء التغير المناخي، ما يعزز جهود التخطيط لإنشاء بنى تحتية قادرة على الصمود أمام آثار تغير المناخ، بما يفرض تقييماً مختلفاً للمخاطر على القطاع العقاري.

تأثير واسع

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة، في تصريحات خاصة لـ«البيان»، إن أزمة المناخ تؤثر على شتى القطاعات الاقتصادية المختلفة، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بما في ذلك القطاع العقاري، لا سيما مع تعرض عديد من المدن والبلدان إلى موجات مختلفة من آثار التغير المناخي بشكل عملي، مثل الفيضانات ومخاطر ذوبان الجليد وغير ذلك مما يهدد مناطق بعينها.

لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن مدى التأثير يختلف من مكان إلى آخر ومن بلد إلى بلد، وبالتالي تتغير عوامل قياس المخاطر بالقطاع العقاري.

كما أنه على مستوى السوق الواحدة قد يتأثر القطاع العقاري في منطقة بعينها بينما يشهد رواجاً في منطقة أخرى، لافتاً إلى تأثر المناطق الساحلية في عدد من البلدان بمخاطر التعرض إلى الغرق ضمن تداعيات التغير المناخي، الأمر الذي ينعكس بدوره على القطاع في تلك المناطق، لجهة الأسعار والاتجاهات الاستثمارية المختلفة.

ويتطرق بدرة بالحديث عن واحدة من حلول التنمية المستدامة في هذا الإطار والممثلة في «المباني الخضراء»، لافتاً إلى أن هذا القطاع لا يزال في بداياته الحقيقة في المنطقة العربية ومع اتجاه دول عربية للإعلان عن مشروعات المدن الخضراء والتي تصب في هذا الإطار، بينما سبقت دول غربية بخطوات بعيدة في هذا القطاع، إلا أن أزمة الغاز الحالية وغيرها من الأزمات تُهدد تحقيق المزيد من التقدم في هذا القطاع على الصعيد العالمي.

قطاع واعد

من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي بالقاهرة الدكتور السيد خضر، في تصريحات خاصة لـ«البيان»، إلى أنه في ظل تزايد حدة التغيرات المناخية صار الاتجاه بشكل أكبر إلى فكرة التنوع في الاقتصاد لجهة الاقتصاد الأخضر بشكل خاص، من خلال التوسع في الاستثمارات الخاصة به.

موضحاً أنه «رغم كلفة هذا التحول المرتفعة إلا أنه لا مفر من الاتجاه للاقتصاد الأخضر من أجل الحد من التغيرات المناخية والتكيف معها».

ويلفت إلى أن «المباني الخضراء» هي جزء من الاقتصاد الأخضر، وهي مبانٍ مستدامة يكون لها عمر أطول من المباني التقليدية.

وكذا تسهم في تقليل الانبعاثات وتراعي المحافظة على البيئة والمناخ، موضحاً أن تلك «الصناعة» هي صناعة واعدة «وسوف تنتشر خلال الفترات المقبلة بشكل أكبر، لا سيما أنها تراعي عدة جوانب أساسية في تصميمها تقدم المحافظة على البيئة، بدءاً من عملية البناء والتصميم والإنشاء، علاوة على مظهرها الحضاري».

ويوضح أن الفترة المقبلة سوف تشهد ضخ المزيد من الاستثمارات في هذه الصناعة، لافتاً إلى أن دولاً عربية أبدت اهتماماً كبيراً بهذا الاتجاه واتخذت خطوات ملموسة به من بينها الإمارات والسعودية وجمهورية مصر العربية، معتبراً أن هذا القطاع هو قطاع واعد وسيكون له انتشار كبير في المستقبل وعامل جذب للاستثمارات، بما يخدم البيئة والأهداف العالمية في مواجهة التغير المناخي.

40 % تقريباً نسبة إسهام قطاع العقارات في انبعاثات الكربون على مستوى العالم

11 % من نسبة مساهمة القطاع في الانبعاثات ناتجة عن المواد المستخدمة في البناء مباشرة

241 مليار دولار بحلول 2026 حجم السوق الواعدة لقطاع المباني الخضراء

 

طباعة Email