الاختبار الصعب.. سياسة ليز «الزهرية» هل تنقذ بريطانيا من شتاء غاضب؟

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

طريق وعرة وملفات شائكة، وإصلاحات شاقة، أمام ليز تراس التي أصبحت اليوم الرئيسة الجديدة للحكومة البريطانية، حيث عينتها الملكة إليزابيث الثانية رسميا اليوم خلال اجتماع في مقرّ إقامتها في بالمورال في اسكتلندا، بعد قبولها استقالة بورس جونسون من منصب رئيس الوزراء. كما طلبت الملكة إليزابيث من تراس تشكيل حكومة جديدة، بحسب وكالة «بي ايه ميديا» البريطانية.

ويعتبر تسليم السلطة عادة عملية سريعة؛ إذ يتوجّه القادة الذين يغادرون مناصبهم والقادمون على حد سواء إلى قصر باكينغهام وسط لندن، إلا أن العادة، تغيرت هذه المرة، حيث تعيّن على جونسون وتراس، قطع مسافة 1600 كلم إلى منتجع الملكة النائي في بالمورال في مرتفعات اسكتلندا.

وتواجه تراس، الملقبة بـ«السيدة الحديدية الجديدة»، اختبارا صعبا، حيث تقع على مسؤوليتها إدارة دفة الأمور في بريطانيا وسط ركود يلوح في الأفق وفواتير طاقة تشكل عبئاً كبيرا على الأسر والمدارس والمستشفيات والشركات وتثير خلافات اجتماعية غير مسبوقة منذ عهد المرأة الحديدية الأولى ورئيسة الوزراء السابقة لبريطانيا مارغريت تاتشر (1979-1990).

واشتهرت تراس بلقب المرأة الحديدية بين أعضاء حزب المحافظين بسبب آرائها الليبرالية في الاقتصاد والتجارة، كما أنها تتعمد في معظم الأحيان، ارتداء بدلات زهرية وتبذل قصارى جهدها لتقليد مارغريت تاتشر الحديدية، بحسب تقرير نشرته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية في الثاني من سبتمبر الجاري.

إلا انها رغم إظهار صلابتها، فقد أقرت رئيسة الحكومة الجديدة، بالأوضاع العالمية غير المواتية جراء الحرب الروسية الأوكرانية وجائحة كوفيد-19.

وتسببت خطة تراس لتعزيز الاقتصاد من خلال تخفيضات ضريبية مع تخصيص عشرات المليارات من الجنيهات الإسترلينية للحد من تكاليف الطاقة في انزعاج الأسواق المالية بشدة، مما دفع المستثمرين إلى التخلص من الجنيه الإسترليني والسندات الحكومية.

وستكون تراس البالغة من العمر 47 عاما، رابع رئيس وزراء من حزب المحافظين في غضون ست سنوات. واستلمت المسؤولية‭‭ ‬‬مع حيازتها لتأييد سياسي أضعف من ذلك الذي تمتع به العديد من أسلافها، وذلك بعد أن هزمت منافسها

ريشي سوناك في تصويت لأعضاء الحزب بهامش فوز أقل مما كان متوقعا، كما أنها لم تكن في البداية الخيار الأول للمشرعين في الحزب.

إجراءات جريئة
وعلى الرغم من أن تراس ترث اقتصادا يواجه أزمة مع معدل تضخم مرتفع وتصاعد تكاليف الطاقة وتحذير بنك إنجلترا من ركود طويل الأمد مع نهاية العام الجاري، إلا أنها تعهدت «بثقة» في اتخاذ إجراءات جريئة وفورية للتغلب على مجموعة من أصعب التحديات التي تواجه رئيس وزراء جديدا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وفي مقدمتها ارتفاع أسعار الطاقة وكساد يلوح في الأفق والضرائب.

ووسط تعهدات تراس «القاطعة»، يحذر خبراء، من أن ذلك قد يؤدي إلى تفاقم معدل التضخم في بريطانيا الذي بلغ بالفعل 10.1 بالمئة وهو أعلى مستوى بين الاقتصادات الكبرى، بحسب بيانات رسمية من مكتب الإحصاء الوطني البريطاني.

 وتشهد المملكة المتحدة أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود، حيث بلغ معدّل التضخم أعلى مستوى له منذ 40 عاما ليسجّل 10,1 في المئة، بينما يخيّم شبح الركود وأجواء شتاء غاضب، تعكس الوضع الاقتصادي القاتم الذي سيتعيّن على تراس وعلى كبار وزرائها الجدد التعامل معه من اليوم الأول .

وتظهر استطلاعات للرأي أجريت مؤخرا، أن جزءا كبيرا من البريطانيين لا يثقون بقدرتها على حل أزمة تكاليف المعيش، وفق (رويترز).

ويرجح 14 في المئة فقط أن يكون أداء تراس أفضل من جونسون، بحسب استطلاع جديد أعده معهد «يوغوف» لقياس الرأي العام.

وتدرك تراس أن لديها ما يتطلبه التغلب على هذه التحديات. كما تقول «بالطبع، لن يكون الأمر سهلا، لكن باستطاعنا فعله».

فواتير

ويعاني سكان بريطانيا من زيادة نسبتها 80 في المئة في فواتير الغاز والكهرباء اعتبارا من أكتوبر، في وقت تحذّر الأعمال التجارية من أنها قد تنهار في حال ارتفاع التكاليف بشكل أكبر.

وتعهّدت ليز تراس التي تسوّق لنفسها على أنها من المدافعين عن الأسواق الحرة خفض الضرائب لتحفيز النمو، رغم التحذيرات من أن زيادة قد تفاقم التضخم.
 
واقترحت رئيسة الحكومة الجديدة، خططا لتثبيت قيمة فواتير الكهرباء والغاز الطبيعي السنوية للأسر البريطانية العادية عند المستوى الحالي البالغ أقل من 1971 جنيه إسترليني (2300 دولار) سنويا.

ونقلت وكالة بلومبرج للأنباء عن مسؤولين بريطانيين ومستشارين لتراس القول: «إنها ناقشت مع فريق مساعديها ومسؤولين حكوميين خلال الأيام الأخيرة وضع آلية تحول دون حدوث زيادات كبيرة في قيمة فواتير الكهرباء والغاز الطبيعي السنوية للأسر البريطانية اعتبارا من أول أكتوبر المقبل كما هو متوقع في ضوء نظام الأسعار الحالي».

وربما تصل تكلفة الخطة إلى حوالي 130 مليار جنيه إسترليني على مدى 18 شهرا، بحسب وثائق اطلعت عليها «بلومبرج».

ووفق سقف الأسعار الذي أعلنه جهاز تنظيم قطاع الطاقة في بريطانيا (اوفجيم) الشهر الماضي والمقرر بدء العمل به في الشهر المقبل، ستزيد قيمة فاتورة الطاقة بالنسبة للأسرة البريطانية بنحو 80% إلى حوالي 3548 جنيه إسترليني سنويا، وهو ما يعني أن الكثير من الأسر البريطانية سيكون عليها المفاضلة بين تدفئة منازلها خلال الشتاء المقبل أو شراء احتياجات أساسية أخرى.

وتسببت خطة تراس لإحياء نمو الاقتصاد من خلال التخفيضات الضريبية وكذلك احتمال تخصيص نحو 100 مليار جنيه إسترليني (116 مليار دولار) للمساعدة في تحمل فواتير الطاقة في انزعاج الأسواق المالية بشدة.

وتعرضت السندات الحكومية البريطانية لأجل 30 عاما إلى أكبر انخفاض في يوم واحد منذ مارس عام 2020 عندما تسبب فيروس كورونا في اضطراب الأسواق المالية، في الوقت الذي صعد فيه المستثمرون انتقاداتهم للاقتراض الزائد الذي من المرجح أن تتطلبه خطط تراس في حين ارتفعت تكاليف الاقتراض لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2011، وفق رويترز.

لحظات مفصلية

وتخلى بوريس جونسون عن منصب رئيس وزراء بريطانيا اليوم الثلاثاء منهيا فترة دامت ثلاث سنوات من الاضطرابات وتاركا لخليفته ليز تراس قائمة طويلة من المشاكل التي يتعين معالجتها سريعا.

وتعهد جونسون الذي غادر داونينغ ستريت لآخر مرة بصفته رئيسا للوزراء، بدعم خليفته ليز تراس بثبات، حسب تعبيره.

وتخللت ولاية جونسون لحظات مفصلية على رأسها بريكست وكوفيد وانتهت قبل أوانها بفعل الفضائح.
 

ديلين ولاري

واظهر جونسون الذي أجبره حزب المحافظين على ترك منصبه في أعقاب سلسلة من الفضائح، الحرص على دعوة بلاده إلى التكاتف ودعم خليفته «ما أقوله لزملائي المحافظين، حان الوقت لإنهاء المشاحنات السياسية... حان الوقت لنا جميعا للوقوف وراء ليز تراس وفريقها وبرنامجها».

وحث حزبه المحافظ الحاكم على تنحية الخلافات داخل صفوفه للتعامل مع أزمة الطاقة التي يبدو أنها ستطغى على عهد تراس.

واستحضر جونسون مثالاً استرشادياً لحزبه في هذا الشأن يتمثل في العلاقة بين ديلين (كلبه) ولاري (هرّ داونينغ ستريت)، حيث قال: «إذا كان بإمكان ديلين ولاري، تجاوز الصعوبات التي تطغى على العلاقة بينهما بين حين وآخر، فبإمكان الحزب المحافظ أيضا القيام بذلك».

ولمن لا تسعفه الذاكرة، فقد ظل القط «لاري»، الملقب رسمياً بـ«صائد الفئران الأول»، يتابع عمل رؤساء الحكومات البريطانية في صمت، غير أن الصمت أحيانا ليس علامة على الرضا.

وودع «لاري» ثلاثة رؤساء للحكومات، واليوم يرحب برئيسة الحكومة ليز تراس خلفا لبوريس جونسون.

وقال «لاري» في تغريدة على حسابه غير الرسمي الذي تجرى إدارته نيابة عنه: «مثل جميع رؤساء الحكومات يقيم أي رئيس الوزراء، كمجرد ساكن مؤقت في «10 دواننج ستريت.. أما أنا فأعيش هنا بشكل دائم، وعندما يغادر رئيس الوزراء مقر الحكم في نهاية فترة ولايته، أظل أنا باقيا في المكان».

 

طباعة Email