قلبت أحداث الثامن من أغسطس الجاري في ولاية فلوريدا الأمريكية، حين داهم عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» منزل الرئيس السابق دونالد ترامب بحثاً عن وثائق وصفت بالسرية، الحسابات لدى الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السواء، وأعادت توجيه الخط البياني المتجه نحو انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل. والواقعة التي يمكن وصفها بـ«مداهمة القرن» خلطت الأوراق، لكن لم تستقر على نتيجة بعد؛ سواء ضد أو لصالح ترامب، وهي، بإجماع الخبراء، ستكون حاسمة في تأثيرها على الصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين وأنصارهما.

بينما سعى الجمهوريون من أنصار ترامب إلى استغلال تلك الأحداث لصالحه، لدعم شعبيته والتعاطف معه والرد على من نادوا بضرورة استبعاده من حسابات الترشح في انتخابات الرئاسة لعام 2024، اعتبر الديمقراطيون أنه ينبغي الإسراع للبناء على تلك التطورات لتوجيه سهام الانتقاد لخصومهم الجمهوريين ولترامب تحديداً في محاولة لصرف انتباه الناخبين عن تراجع معدلات شعبية الرئيس الأمريكي جو بايدن.

أفضلية متقاربة

وقال ديفيد بولوك الخبير الاستراتيجي بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، في تصريحات لـ«البيان» إنه إذا ما تمت إدانة ترامب فسيؤثر ذلك سلباً على حظوظه، لكن شيئاً من هذا لن يحدث سريعاً، وهناك جلسات استئناف وتأجيلات ولن تكون هناك أحكام نهائية لها قبل انتخابات 2024.

ويضيف أن معظم مؤيدي ترامب، يرون أن ما حدث كان خطأ «إف بي آي» وليس ترامب، وبالتالي فهم متعاطفون مع ترامب، لكن هناك بعض الجمهوريين، مثل مايك بنس نائب ترامب سابقاً، لا يلقي باللوم على «إف بي آي»، وهذا قد يشير إلى أن المشكلة لن تكون بشأن مدى فوزه في 2024 وإنما بأن يحظى أصلاً بترشيح حزبه.

وحول المنافسة بين الحزبين في انتخابات الكونغرس، يرى بولوك أن الجمهوريين لديهم ميزة نسبية ولو بسيطة، فالكونغرس منقسم بصورة متقاربة للغاية، وفي مجلس النواب هناك أغلبية بسيطة للديمقراطيين وبالتالي لن يكون هناك تغيير كبير لو أن الجمهوريين حصلوا على ذات الأغلبية في أحد المجلسين أو كليهما وهذا طبيعي بالسياسات الأمريكية حين يخسر الحزب الحاكم بعض المقاعد لأن المواطنين يشعرون بالإحباط من سياسات حكامهم.

ويقول إن ما حدث مع بايدن من انخفاض لمعدل التضخم في شهر يوليو ودعم الاقتصاد الأخضر والرعاية الصحية وتراجع أسعار الوقود، وهو من أهم العوامل النفسية على الناخبين، قد يجعل إدارته في وضع متحسن نسبياً خاصة إذا أضيف موقف الديمقراطيين الرافض لقرار المحكمة العليا التي ألغت حق الإجهاض.

ارتداد عكسي

من جهته، يرى الدكتور إدموند غريب، المحلل السياسي والخبير بالشئون الأمريكية، أن ما قام به «إف بي آي» دفع الجمهوريين للوحدة سواء من القاعدة الشعبية أو القيادات وحتى من كانوا يريدون إنهاء دور ترامب السياسي.

ويتابع أن قيادات جمهورية مثل رون ديسانتيس حاكم فلوريدا، والذي اعتقد كثيرون أنه سيترشح في انتخابات 2024، قال إن مداهمة مكتب التحقيقات ضد المعارضين السياسيين للإدارة الديمقراطية هي محاولة للانتقام من ترامب.

ويوضح غريب أن تلك الأحداث أعطت شريان حياة إضافيا لترامب على الأقل على المدى القصير، لأن هناك كثيرين من الأمريكيين العاديين يصدقون ما يقوله ترامب، وكان بعض قيادات الجمهوريين يريدون ترشيح آخر غيره لضخ دماء جديدة، ولكن هذه المداهمة رفعت أسهم ترامب، وهي نقاط قد تساعد ترامب بدلاً من إضعافه، ولو فرضنا أنه رشح نفسه وفاز في الانتخابات ثم ثبتت إدانته فهذه ستؤدي لمشكلة سياسية وقانونية.

وتوقع غريب أن تكون المنافسة حادة بين الحزبين في الانتخابات الرئاسية، وكذلك في النصفية، فهناك حالة استقطاب شديدة وانقسام عمودي بين الأمريكيين، فكثير من الديمقراطيين لا يثقون بترامب ويتهمونه بالكذب وبأنه تآمر مع الروس في الانتخابات.

وفي المقابل يتهم الجمهوريون إدارة بايدن بالكذب وتسييس الأجهزة الحكومية لملاحقة الخصوم، وكل ذلك يشير إلى أننا سنرى معركة حادة وطبعاً يعتمد الكثير على ما إذا كانت هناك أوراق وأدلة تؤدي لإدانة ترامب. وبالتالي فالمستقلون قد يحسمون المعركة، وهم نسبة كبيرة، وهناك قضايا تدفعهم لمعارضة ترامب وأخرى للتصويت ضد الديمقراطيين. وأوضح غريب أن هناك مؤشرات على استمرار نفوذ ترامب داخل الحزب الجمهوري.

إخفاقات إدارة بايدن

من جانبه قال المحلل السياسي حازم الغبرا، وهو أيضاً مسؤول سابق بوزارة الخارجية الأمريكية، إن تأثير تحقيقات «إف بي آي» على حظوظ ترامب على الترشح أو الفوز في الانتخابات لا تزال غير واضحة، وحتى لو استطاعت وزارة العدل إيجاد ما يكفي من الوثائق للادعاء على ترامب، فيجب أن يكون هناك قاض ومحلفون ينبغي إقناعهم بأن ترامب مذنب وأغلب المحللين مقتنعون بأن ذلك أمر معقد للغاية.

ويوضح الغبرا أننا ما زلنا بعيدين عن الانتخابات الرئاسية وقد يحدث في العامين المقبلين ما يؤدي لتغير كبير في توجه الناخب الأمريكي إن كان معارضاً أو مشجعاً لترامب، وبالتالي من المبكر الحكم على تأثير عملية التفتيش، فإذا استطاع ترامب تقديمه رواية مقنعة بأنه ضحية مؤامرة من الديمقراطيين فهذا سيرفع حظوظه في الانتخابات المقبلة.

ويعتقد الغبرا أن وضع الديمقراطيين في الانتخابات النصفية القادمة ليس جيداً فهناك مشكلات في الشارع الأمريكي لم تستطع الإدارة إيجاد حلول لها أو حتى الاعتراف بوجودها. فالحكومة كانت تنفي وجود تضخم في البداية رغم معاناة المواطن وارتفاع الأسعار بما تسبب في نقمة الناخب على الحكومة.

وهناك اعتقاد بأن المشرعين الديمقراطيين أغنياء ومتعلمون ومرفهون ولا يفهمون صعوبات المواطن العادي، واعتقاد آخر بأن أمريكا دولة عظمى على وشك الأفول في مقابل دول أخرى كالصين، وينتظرون تحركا من المسئولين لتغيير هذا المسار، لكن هذا لم يحدث، ومن هناك تضعف ثقة الناخب في الساسة والمشرعين بسبب الوضع الاقتصادي أولاً وهو أهم شيء للمواطن وبعده الأمن ثم قوة الولايات المتحدة.

وفي المقابل، في رأي الغبرا، فإن فرص الجمهوريين جيدة في الانتخابات المقبلة، وسيكون هناك المزيد من التركيز على القضايا الاقتصادية خلال الحملات لإقناع الناخبين بأنهم سيضمنون رفاهية المواطن وقدرته الشرائية وأمن الطاقة وأمن دولته ومعيشته.

الاقتصاد سر النجاح

في المقابل، قال كريس لابيتينا، المحلل الاستراتيجي الأمريكي، إن المشكلة السياسية الرئيسية لبايدن فيما يخص انتخابات 2024 هي أن العديد من الناخبين يرونه كبير السن بحيث لا يمكنه تولي فترة رئاسية ثانية لأربع سنوات. ويضيف أنه مع ذلك لو تحسن الاقتصاد فلن يكون لدى الناخبين غضاضة في تقبله مجدداً رغم سنه. وفي المقابل، فلو فاز ترامب بترشيح حزبه الجمهوري في الوقت الذي يكون فيه بايدن مرشحاً عن حزبه الديمقراطي، فمن المحتمل أن يظل بايدن محتفظاً بأصوات الناخبين الذين يرفضون ترامب، وهم يزيدون بأكثر من أصوات ترامب بـ8 ملايين صوت. ويشير إلى أنه صحيح أن ترامب لديه ملايين الناخبين الذين يؤيدونه لكن ليس هناك دليل على أنه فاز بتأييد الناخبين الرافضين له، وعندما فاز ترامب في 2016 سيطر الجمهوريون على كل من مجلسي النواب والشيوخ بالكونغرس، لكن بعد 4 سنوات، خسر البيت الأبيض الأغلبية فيهما معاً.