رغم الهدوء النسبي للصراعات التي كانت تغذي موجات اللجوء، إلا أن وتيرة الهجرة ازدادت في العامين الماضيين. فما الذي يبقي الهجرات نشطة خارج الحروب؟
الانزياح السكاني من الشرق (آسيا والشرق الأوسط) والجنوب (القارة الأفريقية) ما زال مستمراً وبأعداد كبيرة. ويمكن القول إن الأسباب العميقة لا تكمن في الحروب والصراعات، التي تراجعت كثيراً، إنما في عدم قدرة الدول المضطربة على استئناف عملية التنمية وعجزها عن تمويل الخدمات الأساسية للسكان، فتحولت هذه الدول من راعية للسكان إلى شريكة في لقمتهم. بالتالي، الوجهة البديلة المنقذة لن تكون إلى دولة شبيهة بالتي تركوها خلفهم، إنما إلى النموذج الأكثر جذباً لخيال المهاجرين، وهي نظام «دولة الرفاه» المعمول بها في أغلب الدول الأوروبية حيث بات هذا النظام عبئاً على دافعي الضرائب وموارد الدول.
ففي بريطانيا على سبيل المثال، تخطّى عدد المهاجرين غير النظاميين الذين عبروا منذ بداية العام بحر المانش 20 ألفاً، في مقابل 11300 في الفترة عينها من العام الماضي، وفق أرقام نشرتها وزارة الدفاع البريطانية.
أعداد المهاجرين لأوروبا لم تختلف كثيراً أو تتأثر، حتى بعد أن شهدت بعض الدول استقراراً نسبياً بعد سنوات من الأزمات والحروب. فعلى سبيل المثال لم تتراجع أعداد طالبي اللجوء السوريين إلى المملكة المتحدة خلال الفترة من 2017 وحتى 2020 رغم تحسن الأوضاع في سوريا بعد سنوات من الحروب والمشاكل. كما ينطبق ذلك على بعض الدول الأخرى مثل العراق وليبيا.
الاستقرار الأمني لا يكفي
الكاتب والمحلل السياسي وليام وارد قال في تصريحات لـ«البيان»: إن من أهم أسباب الهجرة إلى القارة الأوروبية وبريطانيا بشكل خاص هو عدم الاستقرار طويل الأمد في الدول التي يأتي منها المهاجرون حيث إن التحسن النسبي على المستوى الأمني لا يضمن استدامة الهدوء والاستقرار خاصة بعد ما أفرزته الحروب من تداعيات على المجتمعات وإعادتها إلى فكرة القبيلة والحلقة المصغرة بدلاً من المدنية ودولة القانون. وهي ما تهشم النسيج المجتمعي للدول وتزيد من احتمالات الحروب الأهلية في مرحلة ما بعد الاستقرار النسبي.
وأضاف أن ما تشهده ليبيا، على سبيل المثال، من خلافات سياسية واستمرار ظاهرة المسلحين، خير مثال على أن مستقبل هذه الدول يبقى مجهولا حتى وأن تحسنت الأوضاع الأمنية بشكل عام، وهذه الظواهر وسيطرتها على المجتمع تؤثر على الدولة واقتصادها ومستقبلها.
تقصير أوروبي
ناندو سيغونا أستاذ الهجرة الدولية والتهجير القسري في جامعة برمنغهام يرى أن الدول الأوروبية لا تقوم بالتزاماتها في العمل على مساعدة الدول الخارجة من الأزمات في التنمية والاستقرار وهما من أهم العوامل التي تحد من الهجرة، بل على العكس، وفق سيغونا، تقوم الدول الأوروبية بتشديد قوانين الهجرة واللجوء دون العمل على حل المشكلة بشكل أساسي، مستشهداً بخطة بريطانيا ترحيل اللاجئين بطريقة غير شرعية إلى رواندا وفق الاتفاق المثير للجدل والذي تم بين الحكومتين البريطانية والرواندية في أبريل الماضي.
سيغونا اعتبر أن الخطة المعروفة باسم «قانون الجنسية» الموقعة بين لندن وكيغالي تقوض حقاً ومبدأ أساسياً للتضامن والتعاون الدولي وهو المبدأ الذي كان يخلق التزاماً على كل دولة لحماية الفارين من الاضطهاد والعنف وعليه تكون الدول الأوروبية قد قصرت في واجباتها في دعم الدول وتحقيقها للاستقرار والتنمية بنفس مستوى التقصير في استيعاب الكتلة البشرية الطامحة لحياة جديدة مستقرة وآمنة.
أخطر أنواع الهجرة على الحياة هي الهجرة عبر البحر في قوارب غير ملائمة ومتهالكة ومحملة بالبشر بأعداد أكثر من قدرتها الاستيعابية وعلى الرغم من غرق أكثر من زورق للمهاجرين إلا أن عمليات التهريب والهجرة غير الشرعية تواصلت بل وتزايدت أيضاً.
ففي عام 2021 عبر القناة من فرنسا إلى بريطانيا عبر زوارق للهجرة غير الشرعية حوالي 29 ألف طالب لجوء، منهم من غرق خلال الرحلة قبل الوصول إلى الشواطئ، بينما سجل العام 2020 وصول حوالي 8400 طالب لجوء عبر البحر بينما لم يتجاوز عدد الواصلين للسواحل البريطانية قبل الخروج من الاتحاد الأوروبي حاجز 2500 طالب لجوء سنوياً.
«بريكست» فاقم الهجرة
بتحليل هذه الأرقام يلاحظ أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) تسبب في زيادة الهجرة غير الشرعية لها لأن فرنسا، وفق تقارير صحافية بريطانية، تغاضت عن عمليات عبور الزوارق للقناة الإنجليزية وهو الإجراء الذي تم بسبب الخلافات السياسية بين الجانبين حول ملف الخروج وحقوق الصيد في القناة الإنجليزية.
وفي هذه النقطة يرى وليام وارد الكاتب والمحلل السياسي أن الجانب الفرنسي يضغط على الحكومة البريطانية بورقة المهاجرين لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية خاصة أن العلاقات بين الجانبين ليست في أفضل أحوالها.
الخلافات بين الدول الأوروبية عانى منها اللاجئون بشكل مباشر حيث شهدت بيلاروسيا مع مقدونيا الشمالية واليونان مع تركيا إجراءات مشابهة تمثلت بالضغط بورقة اللاجئين بعد تسهيل عمليات تهريبهم عبر الحدود بين هذه الدول لأسباب وخلافات سياسية. هذه المواقف وغيرها يرى وليام وارد أنها لا تتناغم مع التزامات الدول الأوروبية تجاه المهاجرين والموقعة عليها في الاتفاقيات الدولية وأهمها اتفاقية جنيف.
خلافات أوروبية
وقال الكاتب في صحيفة «الديلي ميل» روس كلارك لـ«البيان» إن الخلافات الأوروبية وعدم الالتزام بالتعهدات المالية للأمم المتحدة من قبل بعض الدول الأوروبية لدعم اللاجئين زاد من مشاكل اللاجئين والدول النامية وعطل من قدرات الأمم المتحدة في حل هذه المشاكل. مضيفاً أن الحل يكمن في التزام الدول الأوروبية بتعهداتها والاتفاقيات التي وقعت عليها وعدم التعامل بورقة المهاجرين فيما بينها مع العمل على إلغاء خطط ترحيل اللاجئين مثل الخطة التي وقعتها بريطانيا مع رواندا مع تكثيف الجهود على إيجاد حلول جذرية لمشاكل وأزمات بعض الدول وتحسين التنمية فيها لخلق فرص عمل واستقرار سياسي واقتصادي لا يجعل الناس هناك يفكرون في ترك بلدانهم والمخاطرة بأرواحهم عبر هجرة محفوفة بالمخاطر و تزيد من ثراء مهربي البشر الطرف الوحيد المستفيد من تواصل هذه الأزمة.
100 مليون مهاجر
وتظهر أرقام الأمم المتحدة، ارتفاع عدد اللاجئين والنازحين جراء الصراعات والعنف والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان للعام العاشر على التوالي العام الماضي ليصل إلى أعلى مستوى له منذ بدء العمل بالسجلات، وذلك وفقاً لأحدث تقارير «الاتجاهات العالمية» والذي أصدرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ومنذ فبراير الماضي، رفعت الحرب في أوكرانيا عدد المهجرين قسراً في جميع أنحاء العالم إلى أكثر من 100 مليون، وليس هناك أفق يشير إلى أن هذه الأعداد ستتراجع.
تعد الهجرة إلى القارة الأوروبية أحد أهم أحلام وطموحات من يعانون في بلدانهم من مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية، فالقارة العجوز قبلة الطامحين في تحسين مستوى حياتهم أو الهروب من واقعهم المليء بالأزمات المتعددة. في عام 2015 تدفق مئات آلاف المهاجرين إلى الدول الأوروبية، سالكين طرقاً برية وبحرية بشكل جماعي، في ظاهرة هزت ضمير العالم، نظراً للأوضاع المأساوية التي دفعت هؤلاء الناس إلى الهجرة من «دول الحروب الأهلية»، لكنها في الوقت نفسه غذت مخاوف اليمين في الدول المستقبلة لموجات اللاجئين، خاصة مع تضاعف الأعداد في السنوات التالية.


