تقييمات أمريكية متشائمة حول أي حرب محتملة مع الصين

ت + ت - الحجم الطبيعي

عبرت أوساط أكاديمية وسياسية في الولايات المتحدة عن قلها من الاندفاع الحاد لأمريكا تجاه تبني نهج صدامي مع الصين، والذي بلغ ذروته مع زيارة رئيس مجلس النواب نانسي بيلوسي إلى تايوان، وتبعتها زيارة أخرى لوفد رفيع من الكونغرس. 

في مقال مطول نشرته مجلة فورين أفيرز، بعنوان «الفخ الصيني» كتبت الباحثة المتخصصة في الشؤون الصينية والمحيط الهادئ بجامعة كورنيل، جيسيكا جين وايز، أن المنافسة مع الصين تهيمن على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فقد أصبح السياسيون وصناع القرار الأمريكيون يركزون بشدة على مواجهة الصين لدرجة أنهم يخاطرون بالمصالح والقيم التي ينبغي أن تدعم استراتيجية الولايات المتحدة. وحذرت وايز من ان النهج الحالي للولايات المتحدة لن يؤدي فقط إلى زيادة خطر نشوب صراع كارثي؛ إنما يهدد بتقويض استدامة قيادة واشنطن في العالم والديمقراطية الأمريكية في الداخل. وفي النهاية يمكن لهذه العوامل أن تعيد تشكيل السياسة الأمريكية والمجتمع بطرق عكسية ومؤذية في نهاية المطاف.

وتلحظ وايز أن لدى الجانبين، هناك نزعة قدرية متزايدة إلى أن الأزمة لا مفر منها بل وربما ضرورية. لكنها تشير إلى أنه كثيراً ما تقع واشنطن في فخ محاولة مواجهة الجهود الصينية في جميع أنحاء العالم دون تقدير ما تريده الحكومات والشعوب المحلية، وتفتقر إلى رؤية استشرافية تتماشى مع تقييم واقعي للموارد الموجودة تحت تصرفها. 

وقيمت الباحثة في جامعة كورنيل جهود واشنطن في بناء تحالفات جديدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أنها قد تطغى على الاتفاقيات والمؤسسات الأوسع نطاقاً، بما في ذلك تلك التي تشارك فيها الصين والولايات المتحدة، وبالتالي ستؤدي التوترات الجيوسياسية مع التحالفات الأضيق التي تبنيها واشنطن، إلى كسر النظام الدولي بدلاً من تنشيطه.

واختتمت الباحثة مقالها بالقول إنه إذا كان السعي لتحقيق التقدم البشري والسلام والازدهار هو الهدف النهائي للولايات المتحدة، كما ذكر بلينكين، فإن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى هزيمة الصين من أجل الفوز.

يد بكين العليا 

وفي مقال آخر نشرته «فورين أفيرز» كتب جورج بولنغ، الباحث في مركز الاستراتيجيا والدراسات الدولية، تحت عنوان «يد بكين العليا في بحر الصين الجنوبي» أنه الأدميرال فيل ديفيدسون، قائد القيادة الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ، شهد أمام مجلس الشيوخ في عام 2018 أن الصين «قادرة الآن على السيطرة على بحر الصين الجنوبي في جميع السيناريوهات باستثناء الحرب مع الولايات المتحدة». في الواقع، لقد تغير الميزان أكثر من ذلك. الحقيقة هي أن الولايات المتحدة لن يكون أمامها خيار سوى التخلي عن بحر الصين الجنوبي في المراحل الأولى من أي صراع مع الصين.

يضيف الكاتب أن الصين لا تبحث عن قتال مع البحرية الأمريكية.. «ما تريده الصين حقاً هو إقناع بقية آسيا بأن التنافس على القيادة قد انتهى بالفعل. لذا، فإن أكبر خطر على القوة العسكرية الأمريكية في بحر الصين الجنوبي ليس استعدادات بكين للحرب ولكن خطواتها وقت السلم». 

ويستعرض الكاتب أدوات القوة العسكرية الأمريكية والصينية في ساحة البحر الجنوبي، ويخلص إلى أن بكين تتمتع بالسيطرة على المجال الجوي خلال المراحل الأولى من أي صراع، وسرعان ما سيتضح أن الولايات المتحدة لا تستطيع حماية سفنها الحربية العاملة في المنطقة.

سيناريوهات الصراع

في السياق، نشرت مؤسسة البحث والتطوير الأمريكية (راند ) مؤخرا دراسة في نحو 120 صفحة بعنوان «عودة حرب القوى الكبرى»، أعدها عدد من الباحثين، على رأسهم الدكتور تيموثي هيث، كبير الباحثين في مجال الدفاع والشؤون الدولية، وكريستين جونيس، وهي إحدى كبار الباحثين في مجال السياسات بالمؤسسة.

ووفق مقتطفات نشرتها وكالة الأنباء الألمانية، يتصور الباحثون من خلال تحليل دقيق للبيانات الحالية والتاريخية للعوامل ذات الصلة، والاتجاهات المتوقعة، والتكهنات المبنية على أساس الأبحاث، عدة سيناريوهات لصراع منهجي بين الولايات المتحدة والصين في ظل ظروف افتراضية اقتربت فيها الصين من الوصول إلى نقطة الأولوية العالمية.

واعتمادا على النتائج الأكاديمية ونتائج الأبحاث المتعلقة بالمسار المحتمل للأمن الدولي والحرب في السنوات المقبلة، وموقف الصين بالنسبة للحرب المستقبلية، وتجارب القوى الكبرى السابقة ذات الصلة، والأنماط التاريخية للحروب بين الدول، يحاول معدو الدراسة استكشاف إمكانية اندلاع حرب تتعلق بتحول القوة بين الولايات المتحدة والصين.

وتوصل معدو الدراسة إلى سيناريوهين لحرب منهجية بين الولايات المتحدة والصين: يتصور الأول صراعاً منخفض الشدة يتكشف في أنحاء كثيرة من العالم، عبر الكثير من المجالات، وعلى مدار سنوات كثيرة. أما السيناريو الثاني، فإنه يتصور حرباً عالية الشدة تنجم عن الحرب منخفضة الشدة، ووقوع أعمال من جانب الدولتين لتدمير قدرة الخصم على خوض القتال، وهي تحمل في طياتها خطر تصعيد مرتفع للغاية إلى المستويات الأكثر تدميراً.

ويحدث السيناريوهان في نطاق سياق موقف دولي متفكك بشكل عميق، يعاني فيه الجيشان الأمريكي والصيني من ضغط شديد نتيجة مواصلة المجهود الحربي، بينما يتعاملان مع مجموعة من التهديدات غير التقليدية ويستجيبان لمطالب للحصول على الدعم من جانب شركاء في حالة معاناة. وعلى الرغم من أن تحليل معدي الدراسة يتعلق بموقف صراع افتراضي تقترب فيه الصين من بلوغ الأولوية العالمية، من الممكن أن تفيد النتائج التي توصلوا إليها في التخطيط الدفاعي للحالات الطارئة المحتملة حتى في الوقت الحالي.

ومن أبرز النتائج التي توصل إليها الباحثون هو أنه من المحتمل أن يمتد أي صراع منهجي بين الولايات المتحدة والصين في أنحاء العالم، ولكل المجالات، بما في ذلك الفضاء السيبراني والفضاء الخارجي. وسوف يتخذ مثل هذا الصراع شكلاً منهجياً، وربما يستمر سنوات. ولن ينتهي الصراع إلا إذا تخلى أحد الطرفين عن القتال واعترف بخضوعه للطرف الآخر.

كما يمكن أن يجد الجيشان الأمريكي والصيني نفسيهما تحت وطأة ضغط كبير للغاية في أي صراع منهجي بسبب المطالب المتنافسة لمواصلة المجهود الحربي، والتعامل مع مجموعة من التهديدات الحادة العابرة للحدود، ومساعدة الشركاء على مواجهة تحدياتهم الأمنية.

كما توصل الباحثون إلى أن أي حرب منخفضة الشدة يمكن أن تشمل قتالاً واسع النطاق يتم أساساً من خلال دول شريكة وجماعات غير تابعة لدول وسيظل خطر التصعيد مرتفعاً، حيث إن أيا من الطرفين قد يمل الطابع غير الحاسم لمثل هذا القتال ويسعى إلى أعمال أكثر ضراوة لوضع نهاية للحرب.

ويرى الباحثون أن جيش التحرير الشعبي الصيني قد يحبذ لمقاتلة القوات الأمريكية في حرب منخفضة الشدة، العمليات التي تعتمد على أسلحة أقل تكلفة وأقل مخاطرة، ووسائل مثل الهجوم الدقيق طويل المدى، والعمليات السيبرانية، ودعم القوات غير النظامية.

أسوأ من الحرب العالمية الأولى

وأخيراً، أدلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، برأيه في موضوع التوتر بين بكين وواشنطن، وقال إنه من الممكن أن يتحول التوتر إلى «التحدي الأكبر الذي يواجه البشرية». وقال في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الإخبارية الأمريكية: «الشيء الفريد في الوضع هو أن كلا البلدين لديه القدرة على تدمير العالم، وعندما يدخلان في صراع، لا توجد أي قيود في استخدام التكنولوجيا»، وإنه إذا كان هناك صراع عسكري بين الولايات المتحدة والصين، فإن العالم سيبدو أسوأ بلا حدود مما كان عليه بعد الحرب العالمية الأولى.

طباعة Email