رسائل سياسية صامتة..بيلوسي.. زيارة وردية ووداع ناصع البياض في تايوان.. ماذا بعد؟

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

استهلت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي زيارتها إلى تايوان أمس الثلاثاء، ببدلة وردية، وغادرت "الجزيرة" الهادئة في بدلة ناصعة البياض على وقع مناورات صينية بالذخيرة الحية في محيط "الجزيرة الغالية".

وظهرت بيلوسي التي وصلت على متن طائرة عسكرية أمريكية، إلى مطار سونغشان في تايبيه، مرتدية بدلة وردية مفعمة بالتفاؤل، فيما استقبلها وزير الخارجية التايواني جوزف وو، وسط تحذيرات من بكين برد حازم على الزيارة.

ويختار السياسيون بعناية فائقة ومدروسة، ألوان لباسهم الرسمي، خلال زياراتهم الخارجية لتكون بمثابة رسائل سياسية صامتة تعبر عن موقفهم، وفق خبراء، فبحسب علم الألوان، يأتي اللون الأبيض حاسما في التمييز بين حالة وأخرى؛ إذ إنه علامة للاستسلام في الحروب، وأيضاً عنوان للسلام في موقع ما، ولا يقبل تأويلا آخر.

ويرمز اللون الوردي إلى العناية والرحمة والرعاية، وربما يكون هذا السبب وراء اختيار بيلوسي للونين الوردي والأبيض أثناء زيارتها إلى تايوان التي وصفتها السياسية البالغة من العمر 82 عاماً، بأنها "واحدة من أكثر المجتمعات حرية في العالم" وتعهدت بالتضامن الأمريكي معها.

وغادرت بيلوسي مطار العاصمة التايوانية اليوم الأربعاء، متجهة إلى كوريا الجنوبية آخر محطة لها في جولتها الآسيوية.

وبدت بيلوسي قبل صعودة الطائرة في بدلة بيضاء ناصعة وهي توزع الميداليات على مودعيها. في مطار العاصمة تايبيه.

وتعتبر بيلوسي أرفع مسؤول أمريكي منتخب يزور تايوان منذ رئيس مجلس النواب السابق نيوت غينغريتش عام 1997.

وأثارت زيارة بيلوسي، إلى تايوان جدلا عالميا واسع النطاق، حيث قدمت إلى هناك للوفاء "بتعهد" قديم، حسب تعبريها، مشيرة إلى أن الزيارة توجه "رسالة لا لبس فيها" بشأن الوقوف إلى جانب الجزيرة، مؤكدة كذلك أن الزيارة "لا تتعارض مع سياسة الصين الواحدة".

أول فاتورة

وفي أول فاتورة لزيارة بيلوسي، فرضت الصين عقوبات تجارية على تايوان، حيث  أعلنت بكين اليوم الأربعاء استيراد بعض أنواع الفاكهة والأسماك من تايوان وتصدير الرمال الطبيعية إلى الجزيرة، ردا على زيارة نانسي بيلوسي لتايبيه.

وأثارت زيارة بيلوسي، أعلى مسؤولة أمريكية تزور تايبيه منذ 25 عامًا، غضب السلطات الصينية التي ردت بإدانة وصولها وإطلاق مناورات عسكرية في المياه المحيطة بتايوان التي تعتبرها جزءًا من الصين.

وقررت إدارة الجمارك الصينية اليوم الأربعاء تعليق استيراد الحمضيات وبعض الأسماك من تايوان. وأكدت أنها رصدت "مرارا" نوعا من الطفيليات الضارة على ثمار الحمضيات وسجلت مستويات مفرطة من المبيدات الحشرية.

كما أعلنت وزارة التجارة من جانبها، "تعليق تصدير الرمال الطبيعية إلى تايوان" اعتبارًا من الأربعاء، دون إبداء أي تفسير.

وعادة يستخدم الرمل الطبيعي في صناعة البيتون والأسفلت، وتعتمد تايوان بشكل كبير على الصين في توريدها.

وتعد الصين أكبر شريك تجاري لتايوان، حيث سجل التبادل التجاري ارتفاعا بنسبة 26 بالمئة في عام 2021 ، لتصل إلى 328 مليار دولار.

بالتوازي حذرت الصين شركات الطيران العاملة في آسيا من الطيران في المنطقة المحيطة بتايوان لإجرائها مناورات عسكرية في الفترة من 4-7 أغسطس، حيث يخطط مطار تايوان في تايبيه إلى إلغاء ما يصل إلى 40 رحلة وصول ومغادرة بسبب تلك المناورات.

مناورات مشروعة

وتعتبر الصين تايوان جزءا لا يتجزأ من أراضيها ولم تتخلى أبدا عن فكرة استخدام القوة لاستعادة السيطرة عليها. وحذرت الولايات المتحدة الصين من استخدام الزيارة ذريعة لعمل عسكري ضد تايوان.

ودافعت بكين عن موقفها في إجراء مناورات عسكرية في محيط مضيق تايوان، ووصفت مناوراتها العسكرية بـ"الضرورية والمشروعة"، وذلك في أعقاب زيارة بيلوسي إلى الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية هوا تشونيينغ في إيجاز صحافي روتيني إن "إجراء الجيش الصيني مناورات عسكرية في البحر قرب تايوان الصينية، خطوة ضرورية ومشروعة لتوفير حماية حازمة للسيادة الوطنية".

وأضافت "في الصراع الحالي المحيط بزيارة بيلوسي إلى تايوان، فإن الولايات المتحدة هي المحرّض، الصين هي الضحية. وجاء الاستفزاز المشترك من الولايات المتحدة وتايوان أولا، وجاء بعده دفاع الصين".

وستجرى بعض التدريبات العسكرية الصينية المزمعة داخل المياه الإقليمية لتايوان التي تمتد 12 ميلا وفقا لما ذكرته وزارة الدفاع التايوانية، وهي خطوة غير مسبوقة وصفها مسؤول دفاعي كبير للصحفيين بأنها "تصل إلى مستوى الحصار البحري والجوي لتايوان".

وتشير الإحداثيات التي نشرها الجيش الصيني إلى أن جزءًا من العمليات العسكرية سيجري على بعد عشرين كيلومترًا عن ساحل تايوان.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع التايوانية سون لي فانغ إن "بعض مناطق المناورات الصينية تتداخل (...) مع المياه الإقليمية لتايوان". وأضاف أن "هذا عمل غير عقلاني يهدف إلى تحدي النظام الدولي".

أما اليابان، فقد قالت إنها "قلقة" بشأن التدريبات الصينية، مشيرة إلى أن بعضها سينتهك منطقتها الاقتصادية الخالصة.

ودعت كوريا الجنوبية المحطة التالية في الجولة الآسيوية لبيلوسي الأربعاء، إلى الهدوء.

تضامن

وقالت بيلوسي في لرئيسة تايوان تساي إينج-وين "وفدنا جاء إلى تايوان ليوضح بشكل لا لبس فيه أننا لن نتخلى عن تايوان".

وتابعت "الآن، أكثر من أي وقت مضى، تضامن أمريكا مع تايوان أمر بالغ الأهمية، وهذه هي الرسالة التي نحملها هنا اليوم".

وقالت بيلوسي في كلمتها أمام البرلمان في تايوان إن التشريع الأمريكي الجديد الذي يهدف إلى تعزيز صناعة الرقائق الأمريكية لتكون قادرة على منافسة الصين "يوفر فرصة أكبر للتعاون الاقتصادي بين الولايات المتحدة وتايوان".

وقالت بيلوسي لتساي "نشكرك على قيادتك. نريد أن يدرك العالم ذلك".

ودأبت بيلوسي على انتقاد الصين منذ فترة طويلة، وخاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، ومن المقرر أن تلتقي في وقت لاحق اليوم الأربعاء مع ناشط سابق في أحداث ميدان السلام السماوي (تيانانمين)، وصاحب مكتبة في هونج كونج احتجزته الصين وناشط تايواني أفرجت عنه الصين مؤخرا.

كان نيوت جينجريتش آخر رئيس لمجلس النواب الأمريكي يزور تايوان في عام 1997. لكن زيارة بيلوسي تأتي وسط تدهور حاد في العلاقات الصينية الأمريكية، وظهرت الصين كقوة اقتصادية وعسكرية وجيوسياسية أقوى بكثير خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية.

تايوان لن تتراجع

وأكدت رئيسة تايوان اليوم الأربعاء أن بلادها لن تتراجع. وقالت خلال اجتماعها مع بيلوسي "سنواصل (...) الدفاع عن الديموقراطية". وشكرت بيلوسي على "اتخاذ خطوات ملموسة لإظهار دعمها الثابت لتايوان في هذه اللحظة الحاسمة".

و ذكرت سلطات تايوان ليل الثلاثاء والأربعاء أن 21 طائرة عسكرية صينية دخلت منطقة تحديد الدفاع الجوي للجزيرة - وهي منطقة أكبر بكثير من مجالها الجوي. ودانت وزارة الدفاع التايوانية "محاولة تهديد موانئنا ومدننا وتقويض السلام والاستقرار الإقليميين من جانب واحد".

وأضافت أن "الجيش سيبقى بالتأكيد في مكانه وسيحمي الأمن القومي، ونطلب من الجمهور الاطمئنان ودعم الجيش".

وجاءت تصريحات الناطق باسم وزارة الدفاع التايوانية بعيد بيان للوزارة أكد الأربعاء إن التدريبات العسكرية الصينية تهدد الموانئ الرئيسية والمناطق الحضرية في الجزيرة، ووعدت بـ"تعزيز" الدفاعات والرد بحزم.

وقالت الوزارة إن التدريبات تشكل "محاولة لتهديد موانئنا ومدننا المهمة ولتقويض السلام والاستقرار الإقليميين من جانب واحد".

كما يبحر عدد من السفن الأميركية في المنطقة بما في ذلك حاملة الطائرات "يو إس إس رونالد ريغن"، حسب مصادر عسكرية أميركية.

ويرى معظم المراقبين أن احتمال نشوب نزاع مسلح ضئيل.

لكن مسؤولين أمريكيين قالوا إنهم كانوا يستعدون لاستعراضات للقوة من جانب الجيش الصيني.

خط أحمر

وتعتبر الصين أن تايوان بسكانها البالغ عددهم 23 مليون نسمة واحدة من مقاطعاتها لم تنجح في إلحاقها ببقية أراضيها منذ نهاية الحرب الأهلية الصينية (1949).

وتشتبه بكين في أن تساي تسعى من أجل الاستقلال الرسمي لتايوان وهو خط أحمر بالنسبة للصين.
تعارض بكين أي مبادرة تمنح السلطات التايوانية شرعية دولية، وتعارض أي اتصال رسمي بين تايوان والدول الأخرى.

ويزور مسؤولون أميركيون الجزيرة بانتظام. لكن الصين ترى أن زيارة بيلوسي الشخصية الثالثة في الدولة الأمريكية هي استفزاز كبير.

والأسبوع الماضي وفي محادثة هاتفية مع نظيره الأمريكي جو بايدن، دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ الولايات المتحدة إلى عدم "اللعب بالنار".

ومنذ 1979 تعترف واشنطن بحكومة صينية واحدة فقط وهي حكومة بكين لكنها استمرت في تقديم الدعم للسلطات التايوانية لا سيما عبر مبيعات الأسلحة الكبيرة.

كما تمارس الولايات المتحدة سياسة "الغموض الاستراتيجي" إذ تمتنع عن قول ما إذا كانت ستدافع عن تايوان عسكريا أم لا في حالة حدوث غزو.

وعبرت كوريا الشمالية الحليفة الأخرى لبكين عن "دعمها الكامل".

واتهمت روسيا الحليف الرئيسي للصين، الأمريكيين الثلاثاء بـ "زعزعة استقرار العالم" ووصفت زيارة نانسي بيلوسي بأنها "محض استفزاز".

 

 

طباعة Email