الحرب في أوكرانيا هل تحدد القوة العظمى القادمة؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

بعد أكثر من خمسة شهور على بدء الحرب في أوكرانيا اتسعت رقعة تبعاتها لتؤثر على معظم دول العالم وتغيرت معها رقعة النفوذ والهيمنة العالمية التقليدية. ضربات اقتصادية وسياسية تلقتها الدول المعنية فيما بدا الاقتصاد الروسي وقد امتص أثر العقوبات الغربية إلى حد كبير.

في بريطانيا على سبيل المثال بلغ التضخم أرقاماً قياسية متجاوزة كل التوقعات. بنك انجلترا قال إن التضخم سيصل إلى 10.5% مع نهاية العام إلا أن المفاجأة تمثلت في تجاوزه لحاجز 11% قبل انتهاء منتصف العام ما تسبب في تآكل قيمة الدخول.

الباحثة الاقتصادية والمختصة في الشؤون المالية كورنيليا مايير قالت في تصريح لـ«البيان» إن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة طردية فتراجع قوة الاقتصاد يعني بدون شك تراجعاً على مستوى السياسة وهذا ما تعلمه الدول الأوروبية جيداً.

وأضافت كورنيليا مايير أن الجولات غير الناجحة التي قام بها رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس الأمريكي جو بايدن بهدف البحث عن مصادر جديدة للطاقة لسد العجز الناجم عن توقف التعامل مع الطاقة والغاز الروسي توضح حجم تراجع النفوذ الغربي.

في بريطانيا، أمام ضغوطات التضخم الناتجة عن الحرب وفضائح الفساد والحفلات المخالفة لقواعد الإغلاق خلال فترة فيروس «كورونا»، التي تمت في مقر الحكومة البريطانية، لم يصمد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، معلناً استقالته من منصبه بسبب هذه الضغوطات ليصبح أول رئيس وزراء تتسبب الحرب بشكل غير مباشر في فقدانه لمنصبه.

أما فرنسا التي تعد واحدة من أبرز دول الاتحاد الأوروبي وتسعى لقيادته بعد خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي فقد سعى رئيسها ايمانويل ماكرون في أكثر من مرة للحفاظ على ما وصفه «كرامة روسيا» وعدم إغلاق باب الحوار معها خاصة مع قناعاته الشخصية المتعلقة بالناتو، حيث لا يرى ماكرون الناتو في أفضل أحواله، وهذا ما جاء على لسانه عام 2019 عندما وصف الحلف بأنه في حالة موت سريري.

ضغوط على أوروبا

من جهته قال أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كوين ماري، باتريك ديموند لـ«البيان» إن الوقت ليس في صالح الدول الأوروبية التي أصبحت أمام نظر شعوبها غير قادرة على مواجهة روسيا، فالمواطن الأوروبي لم يكن ينتظر ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار الطاقة والوقود والمواد الغذائية الأساسية، يتزامن مع عدم حسم الأمور في الميدان الأوكراني أيضاً.

كما أكدت بعض التسريبات الصحافية أن الدول الأوروبية لم تلتزم بالعقوبات التي فرضتها على روسيا، حيث أفادت أن بعض الشركات متعددة الجنسيات العاملة في القارة الأوروبية استمرت في علاقاتها الاقتصادية مع كيانات روسية حظر التعامل معها، وذلك عبر حسابات وهمية للتهرب من العقوبات. جميع ما سبق يوضح أن تداعيات العقوبات أثرت بشكل واضح على الدول الأوروبية وربما بشكل أكبر من تأثيرها على الجانب الروسي.

«مواجهة روسيا وعين على الصين»

قبيل الحرب الروسية في أوكرانيا، كان الغرب يخطط لمواجهة تنامي النفوذ والقوة الصينية لتأتي الحرب وتوضح حجم قوة كل جانب، فتلميحات مسؤولي الناتو بعدم التصدي لروسيا بالشكل المطلوب تعكس ذلك. في العام 2021 وقعت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا اتفاقية أمنية عرفت باسم «أوكوس». حصلت من خلالها أستراليا على أسطول من الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية إضافة إلى تعاون مشترك في مجال التكنولوجيا العسكرية والصواريخ التي تتجاوز سرعة الصوت.

هذه الاتفاقية جاءت بعد إدراك الغرب مدى تطور الصناعات الصينية واستحواذ بكين على صناعات التكنولوجيا وتزايد قوتها العسكرية بشكل كبير، حيث بلغت النفقات العسكرية الصينية عام 2021 مبلغ 186 مليار دولار وهو ما يفوق ميزانيات القوى الكبرى باستثناء الولايات المتحدة. ولعل عدم رد بريطانيا على سيطرة بكين على إقليم هونغ كونغ الذي يحمل معظم مواطنيه الجنسية البريطانية وفرض القوانين الصينية عليه يوضح حجم تراجع نفوذ المملكة المتحدة وقدراتها.

البروفيسور ديفيد دان أستاذ العلاقات الدولية في جامعة برمنغهام قال في تصريح لـ«البيان»، إن الولايات المتحدة تسعى من خلال عقوباتها على الصين للحد من قوة المارد الصيني الذي تجاوز قوة الاتحاد السوفييتي السابق، إلا أن أكبر عقبة تواجهها المساعي الأمريكية هو تردد الدول الأوروبية الحليفة لواشنطن بسبب علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع بكين، ومع فشل المخططات الأوروبية في إيجاد بديل عن مصادر الطاقة الروسية يصبح صعباً الاستغناء عن العلاقة الاقتصادية مع الصين أيضاً.

الحقيقة في المشهد الدولي الحالي وما يشهده من حرب باردة بين الصين والولايات المتحدة منطلقة منذ سنوات، وعسكرية بين روسيا وأوكرانيا ومن خلفها الناتو، توضح أن العالم انقسم إلى كتلتين، أمريكية - أوروبية وروسية صينية، وبناء عليه هناك سؤال ما إذا كانت واشنطن ما زالت القوة الأعظم في العالم؟.

طباعة Email